مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 10 من 320

لَا حَيْثُ وُلِدَ وَلَا حَيْثُ يَمُوتُ، وَلَا مِنْ أَيْنَ أَتَىٰ وَلَا إِلَىٰ أَيْنَ هُوَ ذَاهِبٌ، وَكَذَٰلِكَ مِنَ الدَّلَالَاتِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِهَٰذَا الْأَمْرِ، هُوَ مَا نَرَاهُ مِنَ الِاخْتِلَافَاتِ الشَّدِيدَةِ وَالْمُتَنَاقِضَةِ فِي مُعْتَقَدَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْإِنْسَانِيِّ وَالْأَفْكَارِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي يَعْتَقِدُهَا وَهِيَ مِنْ صُنْعِهِ، وَنَحْنُ نَرَىٰ فِي زَمَانِنَا الْقَتْلَ وَالذَّبْحَ بِسَبَبِ التَّحَزُّبِ لِلْآرَاءِ وَمُعْتَقَدَاتٍ دِينِيَّةٍ حَتَّىٰ فِي الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ.

وَكَذَٰلِكَ مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ مِنْ صِرَاعَاتٍ رَهِيبَةٍ أَهْلَكَتِ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ فَالْمُدَوِّنُ مِنَ التَّارِيخِ الْبَشَرِيِّ يُخْبِرُنَا بِمِثْلِهَا وَأَكْبَرَ مِنْ تِلْكَ الصِّرَاعَاتِ الَّتِي نَعِيشُهَا الْآنَ فِي زَمَانِنَا بِسَبَبِ التَّحَزُّبِ لِآرَاءٍ وَأَفْكَارٍ فَاسِدَةٍ، تَرَىٰ فِيهَا فِرَقٌ مِنَ النَّاسِ ضَالَّتَهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا عَنِ الْحَقِّ ضَلَالَتَهَا.

وَكَذَٰلِكَ مِنْ عَجْزِ الْإِنْسَانِ، وَهِيَ نَزْعَةُ غَالِبِيَّةِ النَّاسِ إِلَىٰ الْجَهْلِ وَقَدْ تَرَىٰ الرَّاحَةَ فِيهِ وَفِي الْحَمَاقَةِ وَالْغَبَاوَةِ وَالْعَدَاوَةِ لِلْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ وَلِأَهْلِ الْحَقِّ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَكُلُّ هَٰذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا نَرَاهُ فِي سُلُوكِ الْبَشَرِ يَدْفَعُ الْعَاقِلَ دَفْعاً شَدِيداً وَوَاضِحاً لَا لَبْسَ فِيهِ إِلَىٰ مَعْرِفَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ حَتَّىٰ وَلَوْ أَرْهَقَ نَفْسَهُ وَأَتْلَفَهَا لِمَعْرِفَةِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ بُلُوغِ شَيْءٍ مِنْ مَعْرِفَةِ هَٰذَا الشَّأْنِ، وَلِمُقَارَبَةِ الْحَقِّ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ هُوَ الصَّالَحُ لِإِرْشَادِ النَّاسِ إِلَىٰ أَمْرٍ مَا نَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ وَاقِعِنَا بِمِثَالٍ نُبَيِّنُ فِيهِ شَيْئاً مِنْ مَنْطِقِ الْعَقْلِ نَقُولُ فِيهِ كَشَرِكَةٍ صَانِعَةٍ لِلسَّيَّارَاتِ فِيهَا الْمُهَنْدِسُ وَالْخَبِيرُ وَالْعَامِلُ، وَعَلَىٰ رَأْسِ هَٰؤُلَاءِ مُدِيرُهَا الْقَائِمُ عَلَىٰ إِدَارَةِ شُؤُونِهَا وَسَيْرِ عَمَلِهَا.

الصفحة 10 من 320