فَنَادَاهَا: رُدّيهَا إِلَى جَيْبِكِ، حَتَّى عَادَتْ إِلَى هَيْئَةِ الْحَصَاةِ فِي أَقَلَّ مِنْ لَحَظِ الطَّرَفِ، فَرَدّتْهَا إِلَى الْخِرْقَةِ، وَأَعَادَتْهَا إِلَى جَيْبِهَا وَهِيَ تَرْعَدُ وَقَدْ ذُهِلَ عَقْلُهَا وَزَالَ عَنْهَا لَبُّهَا وَهِيَ تَرْتَعِدُ كَالسَّعَفَةِ فِي الرِّيحِ الْعَاصِفِ، وَالْجَمَاعَةُ يَقُولُونَ لَهَا لِعِظَمِ مَا يَرَوْنَهُ مِنْهَا: حَبَابَةُ كَبِيرَةُ السِّنِّ، وَهِيَ تَقُولُ لَهُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ حُبَابَةٌ عَلَى الْحَصَاةِ: عَادَ السَّرِيرُ إِلَى مَوْضِعُهُ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: يَا حُبَابَةُ، رَأَيْتِ حَصَاتِكِ؟، فَقَالَتْ: يَا مَوْلَايَ، رَأَيْتُ قُدْرَتَكَ، فَقَالَ لَهَا: يَا حُبَابَةُ، وَفِيهَا مِنْ أَوْصَافِ مَا رَأَيْتِ أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ وَأَكْثَرَ، لَوْ كُشِفَ لَكَ عَنْ ذَلِكَ: لَصَغُرَ عِنْدَكِ مَا عَايَنْتِ، فَدَاوِمِي الشُّكْرَ تَسْتَحِقِي الزِّيَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَتُ بِهِ فَقُلْتُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾(1) فَقَالَتْ حُبَابَةُ: وَأَنَا مَالِي بِذَلِكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِكْ إِيَّايَ وَإِنْعَامِكَ عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا حُبَابَةَ، أَيُّمَا أَعْظَمُ مَا عَايَنْتِ مِنْ حَصَاتِكِ أوَ مَا عَايَنْتِ مِنْ الْخَاتَمِ؟، فَقَالَتْ: يَا مَوْلَايَ، وَأَيُّ قُدْرَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ قُدْرَتِكَ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ وَآيَةٍ مِنْ آيَاتِكَ لَيْسَتْ بِعَظِيمَةٍ!!، وَإِنِّي لَا أَرَى الدُّنْيَا عَلَى حَالِهَا فِي الْإِنْبِسَاطِ وَالتَّوَسُّعِ وَلَا أَرَى فِي عِظَمِ ذَلِكَ كُلِّهِ غَيْرَ مَوْلَايَ جَالِساً عَلَى سَرِيرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ النُّورَ يَتَرَجْرَجُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَخْرَجَ خَاتَمَهُ مِنْ إِصْبَعِهِ، فنصَّهُ بِإِصْبَعِهِ وَقَالَ: يَا حُبَابَةُ أَيُّهُمَا أَكْبَرُ فِي تَحْصِيلِ عَيانِكَ وَتَحْقِيقِ عَقْلِكَ: خَاتَمِي أَمْ حَصَاتَكِ؟ فَحَارَتْ حُبَابَةٌ وَلَمْ تُجِبْ بِشَيْءٍ، فَقَالَ: قُولِي يَا حُبَابَةُ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ عِلْمُ مَا لا تَعْلَمِينَ وَلَا وَصْفَ مَا لا تُدْرِكِينَ.
1سورة ابراهيم – الاية 7




