وَصَعِقْتُ أَنَا لِوَجْهِي وَأَنَا أَقُولُ: أَمَانَكَ أَمَانَكَ يَا مَوْلَايَ مِنْ عَذَابِكَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا جَابِرُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا سَائِرُ أَصْحَابِي جُلُوسٌ مَا يُدَاخِلُهُمْ شَيْءٌ مِمَّا يُدَاخِلُنِي، وَسَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَحُبَابَةَ كَبِيرَا السِّنِّ، وَهُمَا يُطِيلَانِ الْعِبَادَةَ وَالتَّهَجُّدَ فَهَذَا مَا بَدَا مِنْهُمَا، فَعَلِمْتُ أَنَّ مَوْلَايَ مَا أَطْلَعَ أَحَدًا عَلَى أَمْرِهِ غَيْرَ أَنَا وَحُبَابَةَ، قَالَ: فَثَنَيْتُ بِوَجْهِي طَالِبًا مَوْلَايَ أَبَا خَالِدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ غَالِبٍ فَإِذَا أَنَا بِهِ فِي الْهَوَاءِ قِبَالَ سَرِيرِ مَوْلَايَ وَاقِفًا، مَا تَحْتَهُ مَا يُقِيمُهُ وَلَا فَوْقَهُ مَا يُمْسِكُهُ فَقُلْتُ: جَلَلْتَ يَا مَوْلَايَ وَعَلَوْتَ، مَا خَصَصْتَ بِهِ بَابَكَ أَبَا خَالِدٍ بِكَوَامِلِ آلَائِكَ حَتَّى أَقَمْتَهُ فِي سَنَا نُورِكَ فَرَفَعَتْ حبابَةُ رَأْسَهَا وَقَالَتْ: يَا جَابِرُ، هَلَكَ وَاللَّهِ الشَّاكُّونَ، وَضَلَّ الْمُرْتَابُونَ، وَتَاهَ الْحَائِرُونَ أَسْأَلُكَ مَوْلَايَ إِقَالَتِي مِمَّا جَنَيْتُ، وَاجْتِرَائِي عَلَى مَا سَأَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا حُبَابَةُ، مَنْ يَكُونُ وَسِيلَةَ جَابِرٍ فِي مِثْلِ هَذَا الَّذِي سَأَلْتِ؟ وَإِنِّي مَعَ ذَلِكَ أَنْظُرُ إِلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ مَاثِلًا عَلَى يَدِ حُبَابَةَ، وَإِنَّهُ يَحْتَوِي مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِ رَبِّي عَلَى مَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ صُنُوفٍ وَأُمَمٍ وَضُرُوبٍ وَعَوَالِمَ وَتَكَاثُرِ آكَامٍ وَمَفَاوِزٍ وَغِيَاضٍ وَوُحُوشٍ وَهَوَامٍّ، وَإنَّ حَبَابَةَ لَا تَأْلَمُ بِحَمْلِهِ وَلَا تَحِسُّ بِثِقَلِهِ، وَأَنَّهَا لِتُعَايِنُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ الَّذِي أَنَا مُعَايِنُهُ، فَنَادَانِي مَوْلَايَ: سَلْ حُبَابَةَ، فَهُوَ يَحْتَوِي عَلَى مَا فِي يَدِهَا، بَيْتُهَا وَتَابُوتِهَا أَوْ جَيْبِهَا، فَقَالَتْ حُبَابَةُ: لَا يَا مَوْلَايَ، لَا يَحْوِي ذَلِكَ إِلَّا عِلْمُكَ، وَلَا يُكَيِّفُهُ غَيْرُ قُدْرَتِكَ، وَلَا يَسَعُهُ غَيْرُ مُلْكِكَ،




