ثُمَّ خَرَّتْ سَاجِدَةً، فَقَالَ لَهَا: ارْفَعِي رَأْسَكِ يَا حَبَابَةُ وَاسْأَلِي عَمَّا شِئْتِ وَعَمَّا جِئْتِ فِيهِ وَهَلُمِّي حَصَاتَكِ الَّتِي مَعَكِ حَتَّى أَخْتِمَهَا لَكِ بِخَاتَمِي هَذَا كَمَا خَتَمَهَا جَدِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَمِّي الْحَسَنُ وَأَبِي الْحُسَيْنُ، فَاسْتَوَتْ جَالِسَةً ثُمَّ قَالَتْ: وَمِنْكَ الْبُشْرَى يَا مَوْلَانَا، هَاكَ الْحَصَاةَ، فَاسْتَخْرَجَتْ حَصَاةً كَالدُّرَّةِ الْبَيْضَاءِ أَضَاءَتْ لَنَا حَتَّى أَغْشَى نُورُهَا أَبْصَارَنَا، وَإِذَا هِيَ مُثَمَّنَةُ الْجَوَانِبِ لَهَا اثْنَيْ عَشَرَ وَجْهًا وَاثْنَا عَشَرَ جَنْبًا فَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهَا وَقَالَ لَهَا: يَا حُبَابَةُ، اجْتَمَعُوا إِلَيْكِ وَأَقْسَمُوا عَلَيْكِ أَنْ تُخَلِّصِيهِمْ مِنْ حَيْرَتِهِمْ هَذِهِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِأَوَّلِ حَيْرَةٍ وَلَا بِآخِرِ سَكْرَةٍ كَمْ حَارُوا فِي الدُّهُورِ الْمَاضِيَةِ وَكَمْ سَكْرَةٍ لَهُمْ فِي أَزْمِنَةٍ دَائِمَةٍ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَ خَاتَمَهُ مِنْ إِصْبَعِهِ وَعَمَدَ إِلَى وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْحَصَاةِ فَخَتَمَهُ، فَلَقَدْ رَأَيْنَا الْخَاتَمَ يَجْرِي فِيهَا كَمَا يَجْرِي فِي الشَّمْعِ، فَلَمَّا رَفَعَ خَاتَمَهُ عَنِ الْحَصَاةِ قَالَتْ لَهُ: يَا مَوْلَايَ سَأَلْتُكَ بِحَقِّكَ الَّذِي أَوْجَبْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ إِلَّا دَفَعْتَ إِلَيَّ خَاتَمَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: يَا حُبَابَةُ، أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكِ مِنْ نَظَرِكِ إِلَى الْخَاتَمِ وَكَذَا سَأَلْتِ عَنْهُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَمَا سَأَلْتِينِي، وَقَالَا لَكِ: أَنْتِ مِمَّنْ تَلْقِينَهُ بَعْدِي، هَاكِ مَا قَدْ سَأَلْتِنِي، يَا حُبَابَةُ: لَوْ لَمْ نُحَمِّلْكِ حَمْلَهُ لَمَا أَطَقْتِ أَنْتِ وَلَا جَمِيعُ الْعَالَمِينَ الْعُلْوِيِّينَ وَالسُّفْلِيِّينَ حَمْلَهُ، أَيْ وَاللَّهِ وَلَوْ لَمْ نُقَوِّهِمْ عَلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ لَمَا طَاقُوا النَّظَرَ إِلَيْهِ وَلَهَلَكُوا بِأَجْمَعِهِمْ مِنَ الشُّعَاعِ، وَلَكِنَّا نُحَمِّلُهُمْ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ،




