فَأَكَّدَ بِقَوْلِهِ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ النَّبَأَ الْعَظِيمَ غَيْرُ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ.
ثُمَّ عَجِبَ بِقَوْلِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِسْتِفْهَامِ لِغَيْرِهِ: وَأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يَدَّعِي الْإِخْلَاصَ فِي هَذَا النَّبَأِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَمِيعِ مُصِيباً، وَلَا صَوَّبَ هَذَا النَّاعِقُ إِلَّا رَأْيَهُ لَا غَيْرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الشِّيعَةَ الْمُقَصَّرَةَ يُقِرُّونَ وَيَعْتَرِفُونَ وَيَدِينُونَ أَنَّ النَّبَأَ الْعَظِيمَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ بَابُ الْحَوَائِجِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُوَحِّدُونَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّبَأَ الْعَظِيمَ هُوَ مَوْلَانَا الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ وَالْمُفَوّضَةُ تَعْتَقِدُ وَتُدِينُ أَنَّ النَّبَأَ الْعَظِيمَ إِسْمُ اللَّهِ وَحِجَابُهُ وَجَنْبُهُ وَجَانِبَهُ وَأُذْنُهُ الْوَاعِيَةُ وَلِسَانُهُ النَّاطِقُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ إِلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ وَمِنْ هَذَا الْمَذْهَبِ يَرْقَى الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الْمَحْجُوبُ عَنْ الْمَعْرِفَةِ إِلَى الْمَحَجَّةِ الْعُظْمَى وَمَعْرِفَةِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى وَالْإِقْرَارِ بِهِ، ثَبَّتَنَا اللَّهُ وَلِكَافَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ.
وَأَمَّا نِسْبَةُ هَذَا النَّاعِقِ إِلَى الْغُلُوِّ وَافْتِخَارُهُ بِهِ، وَأَنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهُ بِالْغُلُوِّ وَتَكْرِيرِهِ لِإِسْمِ الْغُلُوِّ فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ نَسَبُوهُ إِلَى الْغُلُوِّ هُمْ الشِّيعَةُ الْمُقَصِّرَةُ الْمُقَدَّمُ ذِكْرُهُمْ وَمِنْ دُونَهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّقْصِيرِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْغُلَاةِ، أَيْ أَنَّهُ يَرْفَعُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ عَنْ مَنْزِلَتِهِ الَّذِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ وَهِيَ رُتْبَةُ الْبَابِيَّةِ، وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ وَالْمُفَوَّضَةُ تُسَمِينا أَيْضاً الْغُلَاةُ لِأَنَّنَا رَفَعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ عَمَّا يَنْسِبُونَهُ إِلَيْهِ، وَمَقَامُهُ عِنْدَهُمْ مَقَامُ الْحِجَابِيَّةِ وَالْإِسْمِيَّةِ، وَنَحنُ نُجِلُّهُ وَنَشْهَدُ لَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ وَنُقِرُّ لَهُ بِالْمَعْنَوِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ لِلْعَالَمِينَ سِوَاهُ وَلَا مَعْبُودَ لَنَا وَلَهُمْ إِلَّا إِيَّاهُ.




