وَلَا يَسْتَأْنِفُ مِنْ حِقَابِ الْأَكْوَارِ وَالْأَدْوَارِ وَالْأَعْصَارِ، يُزِيلُ وَلَا يَزُولُ، يُحِيلُ وَلَا يَحَولُ، وَيُورِي الْأَعْيُنَ مَا شَاءَ مِنْ رَعِيَّتِهِ فَيَرَاهُ أَهْلُ كُلِّ رُتْبَةٍ بِقَدْرِ اسْتِطَاعَتِهِمْ وَحَسَبَ اسْتِحْقَاقِهِمْ وَشَاكِلَتِهِمْ، فَلَا يَتَسَاوَى اثْنَانِ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ وَهُوَ ذَاتُهُ.
وَحَقِيقَةُ الْإِعْتِقَادِ لَا يُعْلَمُ مَا هُو إِلَّا هُوَ، وَإِنَّمَا الْوُجُودُ دَلَالَتُهُ وَرَحْمَتُهُ وَحُجَّتُهُ الدَّامِغَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَا مِنَ الشَّوَاهِدِ مَا تُضِيءُ تَبَاشِيرُهُ لِكُلِّ عَارِفٍ مُسْتَبْصِرٍ، وَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ وَتَحْقِيقِهِ أَنَّ الْمَوْجُودَ عَلَى قِسْمَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ إِمَّا أَنَ يكَوْنَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِنْدَ ذَاتِهِ لَا عِنْدَ نَظَرِ أَهْلِ الصَّفَا وَأَهْلُ الْكَدْرِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَدَمِ الْبَتَّةَ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ قَابِلًا لِلْعَدَمِ، فَالْمَوْجُودُ الَّذِي تَكُونُ حَقِيقَتُهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْعَدَمِ فَهُوَ الْمُسَمَّى بِوَاجِبِ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي أَوْجَدَ ظُهُورَهُ فِي الْخَلِيقَةِ وَبَايَنَهُمْ فِي الْكَوْنِ وَالْحَقِيقَةِ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلْكُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَالْحَقُّ هُوَ مَوْلَانَا الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُبَينُ: إِسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ، وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ الْمُبَايَنَةُ، أَيْ مُبَايَنَتُهُ لِخَلْقِهِ، وَهِيَ الْبَيْنُونِيَّةُ.




