فَتَأَمَّلْ هَذَا الشِّعْرَ وَمَا حَوَاهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْفَضْلِ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَالنُصْفَةِ وَأَمْعِنْ وَاعْرِفْ وَفِكْرْ وَاعْتَبِرْ فِي مَعَانِيهِ وَمَا قَدْ جَمَعَ مِنْ فُنُونِ التَّوْحِيدِ فِيهِ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَجَدْتَ هَذَا الْفَاضْلَ قَدْ جَمَعَ التَّوْحِيدَ بِحَذَافِيرِهِ وَأَهْدَاهُ إِلَيْكَ لِتَهْتَدِيَ بِهِ كُلُّ ذَلِكَ رَجَاءً مِنْهُ لِدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ يَنَالُهَا مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِمَامِ الثَّقَلَيْنِ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْإِطَالَةِ وَأَنَّ الْقَارِئَ يَمَلُّ مَا نُورِدُهُ وَكَذَلِكَ الْمُسْتَمِعُ لَأَوْرَدْتُ هَذِهِ الْمَقْصُورَةَ عَنْ آخِرِهَا بِكَمَالِهَا لِأَنَّهَا مُضَمَّنَةٌ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوْحِيدِ الْمَعْنَى وَإِثْبَاتِ ظُهُورِهِ بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ، ثُمَّ نَفَى عَنْهُ جَلَّ وَعَلَا الصِّفَاتَ الْبَشَرِيَّةَ وَالتَّخَاطِيطَ اللَّحْمِيَّةَ الدَّمَوِيَّةَ، وَأَنَّهُ مُبَايِنٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِخَلْقِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَلْبِيسٌ وَتَأْنِيسٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾(1) وَأَمْضَى أَمْرَهُ فِيمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَأَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الظَّاهِرَةَ بِالْأَنْزَعِيَّةِ هِيَ هُوَ وَلَا هُوَ هِيَ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَى ذَاتِهَا بِالْمَعْنَوِيَّةِ وَصَرَّحَتْ بِاللَّاهُوتِيَّةِ هِيَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لِإِثْبَاتِ الْمَوْجُودِ الْعَلِيِّ الْمَعْبُودِ.
وَلَا هُوَ هِيَ: أَيْ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَرَوْنَهُ بِصُورَةٍ، وَلَوْ كَانَ ظُهُورُهُ كَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْأَعْيُنُ الشَّحْمِيَّةُ لَمْ يَكُنْ النُّورَانِيُّ يَرَاهُ نُورَانْيّاً، وَالْبَشَرِيُّ يَرَاهُ بَشَرِيّاً، وَلَكَانَتِ الْعَوَالِمُ جَمِيعُهَا تَرَاهُ بِهَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَصُورَةٍ مَحْصُورَةٍ وَهَامِدَةٍ وَإِنَّمَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُتَصَوَّرُ وَلَا يُتَوَهَّمُ وَلَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَتَحَدَّدُ وَلَا يَحْولُ وَلَا يَزُولُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ مِنْ الْأَمْكِنَةِ وَلَا زَمَانٌ مِنَ الْأَزْمِنَةِ الْغَابِرَةِ وَلَا دَهْرٌ مِنَ الْأَدْهَرِ الْخَالِيَةِ،




