فَهُوَ فِي عَمَائِهِ وَضَلَالَتِهِ يَنْعِقُ بِمَا لَا يَنْفَعُهُ مُنْغَمِساً فِي أَوْسَاخِ هَذِهِ الدَّارِ الدَّنِيئَةِ، غَاوِياً فِي هَذِهِ الْهَيَاكِلِ الطِّينِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: أَوْقَعَتْنِي فِي قَعْرِ بَحْرِ الْهَوَى فِي لَجْجٍ تَحْرِقُ أَنْفَاسِي فَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَمَعْنَاهُ، أَيْ أَوْقَعَتْنِي بِهَذِهِ الْهَيَاكِلِ الْبَشَرِيَّةِ اللَّحْمِيَّةِ كَمَا اسْتَحَقَقْتُ، لَا أَنَّكَ ظَلَمْتَنِي، ثُمَّ قَالَ: أَنَا غَرِيقٌ وَالْهَوَى قَاتِلِي يَا دُولَتِي عُودِي عَلَى الرَّاسِ فَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَرِيقٌ لا مُحَالَةَ، وَأَنَّ هَوَاهُ الْقَاتِلُ لَهُ وَتَأَلُّفَهُ فِي هَذِهِ الْأَجْسَامِ فَهُوَ فِيهَا مَسْجُونٌ، وَلَا يَرَى مُفَارَقَتَهَا إِلَّا كَرْهًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إِلْفُ هَذَا الْهَوَاء أَوْقَعَ فِي الْأَنْفُسِ | أَنَّ الْحِمَامَ مِنَ الْمَذَاقِ |
يَقُولُ: إِلْفُ هَذِهِ الْأَنْفُسِ وَهَوَاهَا وَمَيْلُهَا إِلَى مَحَبَّةِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ التُّرَابِيَّةِ يُرِيهَا أَنَّ الْحِمَامَ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ مُرٌّ، فَلَوْلَا إِلْفُهَا الَّذِي قَدْ اتَّخِذَ بِهَا لَكَانَتْ تَرَى الْمَوْتَ الَّذِي هُوَ النَّقْلَةُ أَنْفَعُ لَهَا، وَتَرَى ذَلِكَ حُلْواً لَا مُرَّاً، وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَا دُولَتِي عُودِي إِلَى الرَّاسِ: فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّمَنِّي أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى الْمَنَازِلِ الْعَالِيَةِ وَمُجَاوَرَةِ الْأَنْوَارِ الْمُتَلَأْلِئَةِ وَهُوَ الْمَحَلُّ فِي الْعَالَمِ الْعُلَوِيِّ وَرَأْسِ دَوْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ إِيرَادِ مَا صَدَرَ عَنْ السَّادَةِ الْمَشَائِخِ الصُّدُورُ مِنْ عَالَمِ الْإِقْرَارِ وَالْإِجَابَةِ بَعْدَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ: فَلَمْ يَكُنْ لَنَا بُدٌّ مِنْ إِيرَادِ جُزْءٍ مِمَّا نَطَقَهُ شَيْخُنَا وَقُدْوَتُنَا أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ حَمْدَانَ الْخَصِيبِيُّ أَنَالَهُ اللَّهُ الرِّضَا وَجَازَاهُ عَنَّا أَفْضَلَ الْجَزَاءِ إِذْ كَانَ مَا نَظَمُهُ تَوْحِيداً صُرَاحاً غَيْرَ مُعَمِىً،




