مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

هِدَايَةُ الْمُسْتَرْشِدِ وَسِرَاجُ الْمُوَحِّدِ - أَبُو صَالِحٍ الدَّيْلَمِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 130 من 214

فَكَانَ مِمَّا حُفِظَ عَنْهُ وَأَنْشَدَهُ لِنَفْسِهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:

أَسْقَيْتَنِي كَأْساً فَأَسْكَرْتْنِي

فَمِنْكَ سُكَّرِي لَا مِنُ الْكَاسِ

أَوْقَعَتْنِي فِي قَعْرِ بَحْرِ الْهَوَى

فِي لَجَجٍ تَحْرَقُ أَنْفَاسِي

فَتَارَةً يَقْذِفُنِي يَُّمهُ

وَتَارَةً أَحْبُّو عَلَى رَاسِي

أَنَا غَرِيقٌ وَالْهَوَى قَاتِلِي

يَا دُولْتِي عُودِي إِلَى الرَّاسِ

قَوْلُهُ: اسْقِيْتَنِي كَأْساً فَأَسْكَرْتَنِي، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الْقَدِيمِ الْأَزَلِ الَّذِي أَسْقَاهُ مَعْرِفَتَهُ عَلَى لِسَانِ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَكَأنَهُ جَعَلَ الْكَأْسَ مَقَامَ الَّذِي عَرَّفَهُ التَّوْحِيدَ، وَجَعَلَ الْخَمْرَةَ الَّتِي فِي الْكَأْسِ: الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مَا خَامَرَتْ قَلْبَ مُؤْمِنٍ وَظَمئَ بَعْدُ شُرْبِهَا إِلَى سِوَاهَا، وَالسُّكْرُ سَكْرَانُ، سُكْرٌ مَحْمُودٌ وَسُكْرٌ مَذْمُومٌ فَمَا كَانَ مَحْمُودًا فَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ، فَهُوَ سَكْرَانُ أَيْ مُسْتَغْنٍ عَنْ جَمِيعِ الْعُلُومِ الْخَارِجَةِ عَنْ التَّوْحِيدِ كَالسَّكْرَانِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الشُّرْبَ وَلَا يَلْوِي إِلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَأَمَّا السُّكْرُ الْمَذْمُومُ فَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي صُورَتُهُ بَشَرِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ مُمْتَلِئَةٌ مِنْ عِلْمِ الضِّدِّ قَدْ تَمَكَّنَ فِيهِ، فَهُوَ لَا يَعَرِّجُ عَلَى مَا سُوَاهُ قَدْ اخْتَارَ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهِدَايَةِ وَرَضِيَ بِسَجِينٍ عَلَى عِلِّيِّينْ،

الصفحة 130 من 214