وَأَمَّا أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَوَارِيرِيُّ: فَقِيهُ الْعِرَاقِ، وَشَيْخُ التَّصَوُّفِ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَصْحَابُ الْعَكَاكِيزِ، مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ بِالصَّلَاحِ بَيْنَ سَائِرِ الطَّوَائِفِ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، شَرَّفَ اللَّهُ مَقَامَهُ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَرَنَّمُ بِالْأَشْعَارِ لِنَفْسِهِ، وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ لَمْ تَكُنْ الْقِطْعَةُ مِنْ شَعْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ، وَأَكْثَرُهَا إِلَى سَبْعَةِ أَبْيَاتٍ، فَمِنْ قَوْلِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:
ذَكَرْتُكَ لأني نَسِيتُكَ سَاعَةً | وَأَيْسَرُ مَا فِي الذِّكْرِ ذِكْرُ لِسَاني | |
وَكُنْتُ بِلَا شَكٍّ أَمُوتُ مِنَ الْهَوَى | وَهَامَ عَلَيَّ الْقَلْبُ بِالْخَفَقَان | |
فَلَمَّا أَرَانِي الْوَجْدُ أَنَّكَ حَاضِرِي | شَهِدْتُكَ مَوْجُوداً بِكُلِّ مَكَانٍ | |
فَخَاطَبْتُ مَوْجُوداً بِغَيْرِ تَكَلُّمٍ | وَعَايَنَتْ مَعْلُوماً بِغَيْرِ عِيَانٍ |
وَهَذَا فِي نَفْسِ حَقِيقَةِ مَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا مِنْ وُجُودِ الْمَعْنَى عَلَى دَوَامِ دِيمُومِيَّتِهِ، وَلَقَدْ كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَنْتَسِبُ إِلَى بَيْتِ السَّيِّدِ أَبِي شُعَيْبٍ مِنْهُ السَّلَامُ، وَلَقَدْ كَانَ لَهُ كَرَامَاتٌ وَأَمَارَاتٌ تَخْرِقُ الْعُقُولَ وَتُذْهِلُهَا، وَكَذَلِكَ تِلْمِيذُهُ وَوَلَدُهُ أَبُو بَكْرٍ دَلَفُ بْنُ جَعفرٍ الشِّبْلِيُّ كَانَ رَجُلاً مَذْكُوراً وَشَيْخاً مَشْهُوراً بِالْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ، وَلَهُ مُقَطَّعَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الشَّعْرِ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ مِنْ الشَّعْرِ رَمْزًا خَفِيّاً وَسِتْراً مَكْنِيّاً فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ وَعَظَ النَّاسَ بِمَسْجِدٍ جَامِعٍ الرَّمْلَةِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ ٤٣٢هِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلَهُ مِنْ الْعُمْرِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً،




