فَابْتَدَأْتَنِي بِهَا فَقَالَتْ الْجَمَاعَةُ مِمَّنْ حَضَرَ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَأَهْلِ إِقْلِيمِ بَابِلَ وَقَالُوا: رَأَيْتَهَا يَا أَخَا حِمْيَرَ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ؟، قَالَ: نَعَمْ هُوَ ذَلِكَ، إِنَّهُ ضَلَّتْ لِي ضَالَّةٌ فِي اللَّيْلِ وَاقْتَفَيْتُ الْأَثَرَ وَاتَّبَعْتُ الصَّوْتَ، وَكُنْتُ بِبِلَادِ نَجْدٍ، فَطَالَتْ عَلَيَّ الْبَيْدَاءُ فَيَئِسْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ ضَالَّتِي، فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى اعْتَرَضَنِي وَادِيٍ فَخَرَجْتُ مِنْهُ، وَهَبَطْتُ إِلَى أَرْضٍ فَيْحَاءَ، فَإِذَا أَنَا بِبُنْيَانٍ يَلْمَعُ وَأَنْوَارٍ تَفُجُّ، وَإِذَا بِالْمَصَابِيحِ تَزْهَرُ وَأَطْيَارٌ تُصْفِّرُ وَتَغْرِّدُ، وَهَفِيفُ شَجَرٍ وَخَرِيرُ مِيَاهٍ، فَجَعَلْتُ أَسِيرُ نَحْوَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى رَوَائِحَ كَالْمِسْكِ الْأَزْفَرِ وَالطِّيبِ وَالْعَنْبَرِ فَأَخَذَتْ بِجَوَامِعِ قَلْبِي، فَلَمْ أَزَلْ أَسِيرُ حَتَّى وَرَدْتُ عَلَى بِنَاءٍ مِنْ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ مُرَصَّعٍ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ كَبَيْضِ النَّعَامِ، وَهَا هُو بِحَضْرَتِكُمْ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ غُشِيَ عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَعْظَمَ مَا غُشِيَ عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ مِنْ رَوَائِحِ الْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَسَائِرِ الطِّيبِ، حَتَّى لَقَدْ امْتَلَأَتْ خَيَاشِيمُنَا وَحُلُوقُنَا وَصُدُورُنَا، وَإِذَا بِالْجَوَاهِرِ مِثْلُ بَيضِ النَّعَامِ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِسَلَاسِلِ الذَّهَبِ عَلَى مَشَارِفِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَالْقُصُورِ، وَهَا هِي الْبَسَاتِينُ وَالْحَدَائِقُ وَالْخُورْنْقَاتُ وَالْإِيوَانَاتُ وَسَائِرُ النَّبَاتَاتِ الْفَارِسِيَّاتِ وَالْعَرَبِيَّاتِ، وَهِيَ كُلُّهَا تُسْرِجُ قَنَادِيلَ بِلَورٍ وَتَتَقِدُّ وَهَا هِيَ لَيْسَ تُحْصَى كَثْرَةً فَنَظَرْتُ إِلَى جَمِيعِِ مَا هُوَ حِذَائِي وَبِإِزَائِي عَاناً حِذَاءَ عَيْنِي لَا شَكَ فِيهِ وَرَبِّ السَّمَاءِ كَمَا رَأَيْتُهُ،




