إِعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا مِنْ مَوْتِ الْجَهْلِ، وَأَرَانَا الْحَقَّ يَقِيناً وَعَيَاناً:
إنَّ مَعْنَى كَلَامِ مَوْلَانَا الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ وَوَقْتٍ وَأَوَانٍ مِنْ مَعْنًى مَوْجُودٍ.
فَالْمَعْنَى الْمَوْجُودُ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَنَا ذَاتَهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ وَهِيَ لَا تُحَدُّ وَلَا تُدْرَكُ وَلَا يُحَاطُ بِهَا، فَنَظَرْنَا إِلَيْهِ فَرَأَيْنَاهُ صُورَةً بَشَرِيَّةً وَجِسْماً آلِيّاً وَنَظَرْنَاهُ قَائِماً وَقَاعِداً وَآكِلاً وَشَارِبَاً له أَزْوَاجٌ وَأَوْلَادٌ وَذو حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وَقَتْلٍ وَمَوْتٍ وَجَمِيعُ مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِينَ رَأَيْنَاهُ يَجْرِي عَلَيْهِ، وَهُوَ جَلُّ جَلَالُهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَبِخِلَافِ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ تَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فَكَانَ ظُهُورُهُ عَلَائِمُ وُجُودِهِ وَدَلَائِلُ إِثْبَاتِهِ عَدْلاً مِنْهُ تَعَالَى وَلُطْفاً وَهُوَ عِنْدَ ذَاتِهِ، وَحَقِيقَةُ ذَاتِ الْمُعْتَقَدِ: لَا يُدْرَكُ بِإِحَاطَةٍ، وَلَا يُنْظَرُ بِأَيْنِيَّةٍ، وَمَتَى أَضَفْنَا الْغَيْبَةَ وَالظُّهُورَ إِلَى الْقِدَمِ: فَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وَمَتَى أَضَفْنَاهُمَا إِلَى الْحَدَثِ كَانَ الظُّهُورُ عَلَامَةُ الْوُجُودِ، وَالْغَيْبَةُ عَرَضَاً دَاخِلاً عَلَى أَبْصَارِ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ تَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وَهُوَ الَّذِي حَجَبَ أَبْصَارَنَا عَنْ كُنْهِ ذَاتِهِ وَأَرَانَا مَا لا يُحَاطُ بِهِ وَلَا يُدْرِكُ بِصُورَةٍ يَجْرِي عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ،




