وَدَلَائِلُهُ عَلَى ذَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَلَا يَأْتِي عَلَيْهَا مَخْلُوقٌ مِنْ الْبَشَرِ وَأَنَّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ أَنَا وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقِينَ مِنْ مَعَاجِزِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَظَمَتُهُ بِمِقْدَارِ مَا أَخَذَ الطَّيْرُ فِي مِنْقَارِهِ مِنْ فَيْضِ بَحْرٍ زَاخِرٍ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا مَا أَوْرَدْنَاهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُفَاكَهَةِ وَالْمُنَادَمَةِ بَيْنَ الْإِخْوَانِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَّقَهُمْ اللَّهُ أَجْمَعِينَ، إِذْ كَانَتْ تِلَاوَةُ مُعْجِزَاتِهِ وَالْمُذَاكَرَةِ فِي تَوْحِيدِهِ وَدَلَالَاتِهِ وَإِشَارَاتِهِ إِلَى ذَاتِهِ تَسْبِيحٌ وَتَقْدِيسٌ وَتَمْجِيدٌ وَ تَوْحِيدٌ، لِأَنِّي أَذْكُرُ مَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأثْبِتُهُ فِي هَذَا الْخِطَابِ لِذَوِي الْعُقُولِ عَلَى جِهَةِ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى تَصْحِيحِ مَعْنَوِيَّتِهِ وَأَزَلِيَّتِهِ وَإِثْبَاتِهِ فِي قِدَمِهِ وَهُوَ غَنيٌ عَنْ ذَلِكَ فالْمَعْنَى الْأَزَلُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الْقَدِيمُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ أَجَلُّ وَأَعَلا وَأَعْظَمُ وَأَسْنَى، وَمَعَاجِزُهُ تَسْمُو وَتَعْلُو عَنْ إِقَامَةِ الْبُرْهَانِ، او انْ يَحْتَاجُ إِلَيْنَا نَحْنُ الْمَسَاكِينُ فِي بَيَانِ الْبَيَانِ وَإِثْبَاتِ مَعْنَوِيَّةِ كُلِّ عَصْرٍ وَزَمَانٍ وَدَهْرٍ وَأَوَانٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ نُقِيمُ الدَّلَائِلَ وَالْبُرْهَانَ لِبَعْضِنَا الْبَعْضِ لِنَهْتَدِيَ وَنَسْتَقِيمَ عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ، وَأَبْدَى مَا أَبْدَى مِنْ دَلَالَاتِهِ عَلَى ذَاتِهِ مَا جَاوَزَ عَنْ مِقْدَارِ الْمَخْلُوقِينَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ حُجَّتَهً عَلَى خَلْقِهِ لِيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، لِئَلَّا تَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الْخَلْقَ أَسْبَاباً لِبَعْضِهِمْ بَعْضاً رَحْمَةً مِنْهُ لَهُمْ وَلُطْفاً بِهِمْ وَإِشْفَاقاً عَلَيْهِمْ، لِا لسَّابِقَةٍ سَبَقَتْ مِنْهُمْ إِلَيْهِ وَلَا لِتَقْدِمَةٍ قَدَّمُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَفْعَلُ فِي خَلْقِهِ مَاهُو أَهْلَُهُ إِذْ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ.




