قَالَ جَابِرٌ: فَأَقْبَلْتُ عَلَى مَوْلَايَ سَاجِداً وَقُلْتُ لَهُ: يَا مَوْلَايَ، كَمْ تَحَمَّلَ عَبْدُكَ جَابِرٌ، إِنَّ هَذَا لَعَظِيمٌ، فَقَالَ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَيَتَبَيَّنَ لَكَ الْخَبِيثُ مِنْ الطِّيبِ، ثُمَّ قَالَ: إِرْفَعْ رَأْسَكَ يَا جَابِرْ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَلَمْ أَرَ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ شَيْئاً، وَقَالَ: سِرْ يَا جَابِر، فَسِرْتُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ وَكَأَنِّي لَمْ أُعَايِنْ فِيهَا شَيْئاً فَكَانَ هَذَا مِمَّا أَظْهَرَنِي عَلَيْهِ مِنْ دَلَائِلِهِ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْخَوَارِجِ. وَتَمَّ الْخَبَرُ.
فَتَأَمَّلْ أَيُّهَا السَّيِّدُ الطَّالِبُ لِنَهْجِ الْحَقِيقَةِ بِالتَّجْرِيدِ: ايُّ دَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ وَأيُّ مُعْجِزَةٍ قَاهِرَةٍ مِنْ هَذِهِ الدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ الْبَادِيَةِ مِنْ حَقِيقَةِ الذَّاتِ، يَدُلُّ بِهَا وَيَهْدِي أُولِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَاتِ.
عَلِيٌّ يَرِي جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ عِمَارَةَ بَغْدَادَ
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ بِعَيْنِهَا، وَمِثْلُ هَذِهِ الدَّلَالَةِ مَا أَبْدَاهُ أَيْضاً لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ عِمَارَةِ بَغْدَادَ قَبْلَ كَوْنِهَا، حَتَّى أَرَاهُ أَسْوَاقَهَا وَأَنَاسَهَا وَقِمَاشَهَا وَأَسَاسَهَا، وَأَرَاهُ كِرَاعَهَا وَجَمِيعَ مَا حَوَتْهُ فِي حَالِ سَعَادَتِهَا وَعِمَارَتِهَا، وَأَرَاهُ أَيْضاً عَبْدَ اللَّهِ السَّفَّاحَ وَجَمِيعَ مَا حَوَاهُ مَلْكُهُ وَحَشَمُهُ وَخَدَمُهُ حَتَّى لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُ شَيْئاً وَاحِداً إِلَّا وَأَتَى بِهِ، وَكَانَ وَهُوَ أَيْضاً مُتَوَجِّهٌ يُرِيدُ الْخَوَارِجَ، وَالْخَبَرُ مَعْرُوفٌ بِالْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ يُعْرَفُ بِخَبَرِ بَغْدَادَ وَذَلِكَ قَبْلَ عِمَارَتِهَا بِمُدَّةٍ لَمْ يُمْكِنْنِي تَقْرِيرُهَا وَعَدَدُ سُنِيهَا خَوْفًا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ،




