مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْإِقْبَالُ بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ - الْجُزْءُ 3 - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ طَاوُوسٍ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 58 من 366

فعجز لسان الوجدان عن احتمال ذلك العدوان والطغيان ، وقامت قيامة العدل وسالت تعجيل يوم الفصل ، ونُكّست (1) اعلام الإسلام ، وأظلمت أَنوار الشرائع والأحكام ، وغضب لسان حال المصحف الكريم ، واعرض عن الإقبال على أهل الفعال الذميم.

حتّى فزعوا من نهب السبايا وجعلوهم في إسراء الرزايا وقالوا : لا بدّ من ان يداس (2) ظهر النبوة والرسالة ، ويهان مقام الكرامة والجلالة ، بأن توطئ حوافر الخيل لذلك الظهر المعظّم ، وبلغوا من الإلحاد ما لم يعرف قبله فيما تقدم ، فوطئوا ظهراً كان لهم ظهراً ونصراً عند الملك الأرحم والمالك الأعظم ، وَتركوا تلك الأجساد عارية والأعضاء على التّراب بادية ، وكم لتلك الأجساد والأعضاء من يد عليهم بخاتم الأنبياء وبما اسبقوا عليهم من النعماء.

وحملوا رءوساً طالما رفعت رءوس كلّ مسلم بعد وضعها ، ووصلت الأسباب بينهم وبين الله بعد قطعها ، وجعلوها على رماح يبكي لسان حالها من حملهم عليها ، ويتطأطأ لهم رءوس تلك الرمال ، وتقبل الأرض بين يديها ، وتعتذر بلسان حالها أنّها مقهورة على هذا الاعتداء بيد الأعداء ، وتقول : طالما حملتموني بيد التكريم وسلكتم بي الصراط المستقيم ، فانّ اليوم أحملكم لئلاّ تكونوا على التراب ، وارفعكم عن انّ تنالكم يد بقايا الأحزاب ، فطافت الملائكة بذاك الرأس الكريم حتّى صار في موكب عظيم من التّعظيم ، وساروا بالحرم والنساء والصبيان على مطايا الكسر والذلّ والهوان.

فهل من باك يندب (3) على الإسلام والايمان ، وهل من مواس لملوك الأزمان ، وهل من شاكّ لكفران الإحسان ، وهل من معين على النياحة (4) والعويل ، وهل من جواد بالدّمع على القتيل ، وكيف يغني شقّ الجيوب عن شقّ القلوب لسفك دماء الأحبّة

__________________

(1) نكسّه : قلّبه على رأسه.

(2) دس الشيء تحت التراب وفيه : ادخله فيه وأخفاه.

(3) يبكي ( خ ل ).

(4) النياحة : البكاء الشديد مع الأنين.

الصفحة 58 من 366