تتهافت دخولا في دينكم ، ثم لتعظمنّ بيعتكم هذه ، ولتشرفنّ ، حتّى تصير كالكعبة المحجوجة (1) بتهامة ، هذا الرأي فانتهزوه (2) ، فلا رأي لكم بعده.
فأعجب القوم كلام جهير بن سراقة ، ووقع منهم كلّ موقع ، فكاد أن يتفرّقوا على العمل به ، وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة ، يدعى حارثة بن أثال على دين المسيح عليه السّلام ، فقام حارثة على قدميه وأقبل على جهير ، وقال متمثّلا :
متى ما تقد بالباطل الحق بابه | وان قلت بالحقّ الرّواسي ينقد | |
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه | ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتد |
ثمّ استقبل السيد والعاقب والقسّيسين والرّهبان وكافّة نصارى نجران بوجهه لم تخلط معهم غيرهم ، فقال (3) : سمعا سمعا يا أبناء الحكمة وبقايا حملة الحجّة ، انّ السعيد والله من نفعته الموعظة ولم يعش (4) عن التذكرة ، ألا وانّي أنذركم وأذكّركم قول مسيح الله عزّ وجلّ ثم شرح وصيّته ونصّه على وصيّه شمعون بن يوحنّا وما يحدث على أمّته من الافتراق.
ثم ذكر عيسى عليه السّلام وقال : انّ الله جلّ جلاله أوحى إليه : فخذ يا بن أمتي كتابي بقوّة ثم فسّره لأهل سوريا بلسانهم ، وأخبرهم انّي انا الله لا إله إلاّ أنا ، الحيّ القيوم البديع الدائم الّذي لا أحول ولا أزول ، انّي بعثت رسلي ونزلت كتبي رحمة ونورا عصمة لخلقي ، ثمّ انّي باعث بذلك نجيب رسالتي ، أحمد صفوتي من برّيتي البار قليطا عبدي أرسله في خلوّ من الزمان ، ابعثه بمولده فاران من مقام أبيه إبراهيم عليه السّلام ، انزل عليه توراة حديثة ، افتح بها أعينا عميا ، وإذنا صمّا ، وقلوبا غلفا (5) ، طوبى لمن شهد أيّامه وسمع كلامه ، فآمن به واتّبع النّور الّذي جاء به ، فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النّبي
__________________
(1) حجّ : قصد.
(2) انتهزوه : اغتنموه.
(3) يعني حارثة.
(4) عشوت إلى النار : إذا استدللت إليها بسير ضعيف ، وإذا صدرت عنه إلى غيره قلت : عشوت عنه.
(5) الأغلف ج غلف : الذي لا يعي شيئا.




