مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْإِقْبَالُ بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ - الْجُزْءُ 2 - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ طَاوُوسٍ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 253 من 378

بها الخرسات بأنواع اللّغات ، بخوعا (1) له بأنّه فاطر الأرضين والسّماوات ، واستشهدهم خلقه وولاّهم ما شاء من أمره.

جعلهم تراجم مشيّته وألسن إرادته ، عبيدا ( لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ، وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى ، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) ، يحكمون بأحكامه ويستنّون بسنّته ، ويعتمدون حدوده ، ويؤدّون فرضه.

ولم يدع الخلق في بهم صمّا ولا في عمى بكما ، بل جعل لهم عقولا مازجت شواهدهم ، وتفرقّت في هياكلهم ، حقّقها في نفوسهم واستعدّ لها حواسّهم ، فقرّر بها على إسماع ونواظر وأفكار وخواطر ، ألزمهم بها حجّته وأراهم بها محجّته وأنطقهم عمّا شهدته بألسن ذريّة بما قام فيها من قدرته وحكمته ، وبيّن عندهم بها ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) ، بصير شاهد خبير.

وانّ الله تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين ، لا يقوم أحدهما إلاّ بصاحبه ، ليكمل لكم عندكم ، جميل صنعه ، ويقفكم على طريق رشده ، ويقفوا بكم آثار المستضيئين بنور هدايته ، ويسلك بكم منهاج قصده ، ويوفّر عليكم هنيء رفده.

فجعل الجمعة مجمعا ندب إليه (3) لتطهير ما كان قبله ، وغسل ما أوقعته مكاسب السّوء من مثله إلى مثله ، وذكري للمؤمنين وتبيان خشية المتّقين ، ووهب لأهل طاعته في الأيّام قبله وجعله لا يتمّ الاّ بالايتمار لما أمر به ، والانتهاء عمّا نهى عنه ، والبخوع بطاعته فيما حثّ عليه وندب إليه ، ولا يقبل توحيده الاّ بالاعتراف لنبيّه صلّى الله عليه وآله بنبوّته ، ولا يقبل دينا الاّ بولاية من أمر بولايته ، ولا ينتظم أسباب طاعته إلاّ بالتمسّك بعصمة وعصم أهل ولايته.

فانزل على نبيّه صلّى الله عليه وآله في يوم الدّوح ما بيّن فيه عن إرادته في خلصائه

__________________

(1) بخع : أقرّ به وأذعن.

(2) الأنفال : 42.

(3) ندب للأمر أو إلى الأمر : دعاه ورشّحه للقيام به.

الصفحة 253 من 378