مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْإِقْبَالُ بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ - الْجُزْءُ 1 - عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ طَاوُوسٍ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 337 من 512

الله جلّ جلاله وظائف هذه اللّيلة من غير تثاقل ولا تكاسل ولا إعجاب.

فأنت ذلك المخلوق من التراب ، الّذي شرّفك مولاك ربّ الأرباب ، وخلّصك من ذلك الأصل الذميم وأتحفك بهذا التّكريم والتعظيم ، وأخدمه واعرف له قدر المنّة عليك.

ولا يخطر بقلبك إلاّ أنّ هذه العبادة من أعظم إحسانه إليك ، وأنت تعبده ، لأنّه أهل والله للعبادة ، فإنّك مستعظم لنفسك ، كيف بلغ بك إلى هذه السّعادة.

واعلم أنّك إن عبدته لأجل طلب أجرة على عبادتك ، كنت في مخاطرتك ، كرجل كان عليه لبعض الغرماء الأقوياء الأغنياء ديون لا يقوم لها (1) حكم العدد والإحصاء ، فاجتاز هذا الذي عليه الدُّيون الكثيرة ، مع غريمه صاحب الحقوق الكثيرة ، على سوق فيه حلاوة ، فاقتضى إنعام الغريم أنّه اشترى لهذا الّذي عليه الدين العظيم ، طبقا من تلك الحلاوة العظيمة اللّذّات ، وكلّفه حملها إلى دار الغريم ليأكلها الّذي عليه الديون وحده على أبلغ الشهوات.

فلمّا أكلها الّذي عليه الدّيون الكثيرة وفرغ من أكلها ، قال للغريم : إِنَّ هذه الحلاوة قد حملتها معك ، فأعطني رغيفا أجرة حملها ، فقال له الغريم : إنّما حمّلتها على سبيل المنّة عليك ، ولتصل هذه الحلاوة إليك ، وما كنت محتاجا أنا إليها ، ولي ديون كثيرة عليك ما طلبتك بها.

فكيف اقتضى عقلك أن تطلب رغيفا أجرة حمل حلاوة ما كلّفتك وزن ثمن لها ، فهل يسترضي أحد من ذوي العقول السّليمة ما فعله الّذي عليه الدُّيون من طلب تلك الأجرة الذّميمة.

فكذا حال العبد مع الله جلّ جلاله ، فانّ القوّة الّتي عمل بها الطاعات من مولاه ، والعقل والنّقل الّذي عمل به العبادات من ربّه مالك دنياه وأخراه ، والعمل الّذي كلّفه إيّاه ، إنّما يحصل نفعه للعبد على اليقين ، والله جلّ جلاله مستغن عن عبادة العالمين ، ولله جلّ جلاله على عباده من النّعم بإنشائه وإبقائه وإرفاده وإسعاده

__________________

(1) بها (خ ل).

الصفحة 337 من 512