وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنُ عَبَّاسٍ قَدَّسَهُ اللهُ فِي الْجَوْهَرَةِ الْمُضِيئَةِ وَفِي الدُّرَّةِ السَّنِيَّةِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾(1) مَعْنَاهُ أَنْ تَعْرِفُوا بَقَرَةً، وَالْإِبْقَارُ هُوَ الْإِظْهَارُ، وَبَقْرُ الشَّيْءِ، أَيْ شَقُّهُ وَعِلْمُ مَعْنَاهُ.
كَمَا قِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدَ الْبَاقِرَ بَقَرَ الْعِلْمَ، وَبَاقِرُ الْعِلْمِ أَيْ شَقَّ الْعِلْمَ وَعَلِمَ بَاطِنَهُ، فَأَشَارَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أَيْ تَعْرِفُوا مَنْ هِيَ وَإِنَّهَا تَعْلَمُ الْعِلْمَ، وَتَعْلَمُ مَا تُكِنَُّ الضَّمَائِرُ وَتُخْفِي السَّرَائِر وَلَمْ يُكَلِّفْكُمْ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهَا كَمَا نَطَقَ بِكِتَابِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(2) .
مَعْنَاهُ لِيَعْرِفُونِ فَلَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِهَذَا الْأَمْرِ، قَالُوا﴿أَتَتَّخِذْنَا هُزُوَاً﴾(3) وَكَانَ هَذَا جَوَابُ الْمَلَائِكَةِ عَنِ الْجَاهِلِينَ بِمَعْرِفَتِهَا﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾(4) أَيْ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مَوْلَاهُ الْغَايَةَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ بِمَعْرِفَةِ تِلْكَ الْغَايَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمَرْئِيّةِ، وَالصَّادِّينَ عَنْ مَعْرِفَتِهَا قَالُوا يَعْنِي بَنِي إِسْرَائِيلَ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾(5) أَيْ يُبَيِّنُ لَنَا هَذِهِ الَّتِي بَقَرَتِ الْعِلْمَ مَا هِيَ ؟ فَقَالَ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾(6) يَعْنِي لَيْسَ كَوْنُهَا كَكَوْنِكُمْ، وَلَا طَعَامُهَا وَشَرَابُهَا كَطَعَامِكُمْ وَشَرَابِكُمْ، فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾(7)؟ أَيْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ الْمَعْنَى أَنْ يَدُلََّنَا عَلَى مَعْرِفَةِ مَنْ بَقَرْتِ الْعِلْمَ وَاخْتَلَفَتْ عَلَيْنَا بِالصُّوَرِ، وَذَلِكَ دَعَتْنَا إِلَى مَعْرِفَتِهَا لَمَّا لَاحَتْ بِالصُّبْحِ الْمُنْفَلِقِ.




