وَجَاءَ فِي زُبْدَةِ الْعِرْفَانِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبَّاسٍ قَدَّسَهُ اللهُ عَنْ هَذِهِ الَآيَةِ: فَكَانَ مَكْرُهُمْ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى مَكْرِ الْبَارِي حِينَمَا دَعَاهُمْ عَزَّ عِزُّهُ فِي ذَرُوِ الْأَظِلَّةِ وَظَهَرَ فِيهِمْ بِذَاتِهِ وَدَعَاهُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ، وَخَاطَبَهُمْ كَشْفًا عَيَانَاً أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى، فَلَفْظَةُ بَلَى أَيْ نَعَمْ، فَكَانَ قَوْلُهُمْ بَلَى بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ، بَلْ كَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ مُصِرَّةً عَلَى الضَّلَالِ وَالْجُحُودِ مَا أَنْتَ رَبُّنَا، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرَاً مِنْهُمْ عَلَى الْبَارِي، فَلَمَّا أَهْبَطَهُمْ إِلَى الدَّارُ السُّفْلَانِيَّةِ وَألْبَسَهُمُ الْقُمْصَانَ الْبَشَرِيَّةَ مَكَرَ عَلَيْهِمْ الْبَارِي كَمَكْرِهِمْ الْمُتَقَدّمِ، فَظَهَرَ لَهُمْ تَخْيِيلَاً عَلَى صُوَرِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَيَفْعَلُ أَفْعَالَهُمْ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ مَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ خَمْسَاتٍ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو رَسُولِ اللَّهِ، وَيُظْهِرُ عَلَيْهِمْ التَّلْبِيسَ الْوَاقِعَ مِنْ حَيْثِهِمْ لَا مِنَ حَيْثِهِ تَعَالَى، وَقَالَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَا رَبُّكُمْ الْمَعْبُودُ، قَالُوا مَا أَنْتَ رَبُّنَا، ذَاكَ نُورٌ شَعْشَعَانِيٌ، وَأَنْتَ جِسْمٌ بَشَرِيٌّ، فَأَظْهَرَ الْقُدْرَةَ الَّتِي يَعْجَزُ سَائِرُ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي الْأَفْعَالِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، وَأَخْبَرَ وَأَنْبَأَ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، فَلَمَّا ظَهَرَ ذَلِكَ لَهُمْ مِنْهُ ازْدَادُوا كُفْرَاً وَقَالُوا: هَذَا هُوَ السِّحْرُ وَالْكَهَانَةُ.




