وَلَوْ كَانَ كَمَا يَزْعُمُ الَّذِينَ هُمْ خَلْفَ الْجِدَارِ لَاهِثُونَ وَعَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضُونَ أَنَّهُ غَيْبٌ مَنِيعٌ لَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ضَالّاً وَالِعِيَاذُ بِاللَّهِ وَلَمَّا رَأَى قَمَرَ الْوُجُودِ سَاطِعُ الْبُرْهَانِ آمَنَ بِالدَّيَانِ وَثَنَّى بِالشَّهَادَةِ وَقَالَ: هَذَا رَبِّي وَهُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ، وَلَا عَنْهُ تَحَوَّلَ، وَلَمْ يَنْفِهِ، ثُمَّ ثَلََّثَ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾، يَعْنِي بِإِشَارَتُهُ إِلَى شَمْسِ الشَّمُوسُ الْمُشْرِقَةِ كَالْعَرُوسِ الْمُسْفِرَةِ فِي الْمَرْكَزِ النُّورِيِّ وَالْفَيضِ الْكَنْهُورِيِّ، ثُمَّ قَالَ﴿لَئِنْ لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لِأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ دَلِيلاً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا هُوَ الْهِدَايَةُ، وَمَا دُونَهُ هُوَ الضَّلَالُ، وَهَذِهِ هِيَ النَّظَرَاتُ الثَّلَاثُ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ فِي الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ الْمَشْرِقَيْنِ فِي الْحُلَلِ الثَّلَاثِ النُّورِيَّةِ وَالْمَعَاجِزِ السَّرْمَدِيَّةِ، وَهُمْ ضُيُوفُهُ حِينَمَا دَخَلُوا عَلَيْهِ.
مَكَرُ اللَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(1) قَالَ الشَّيْخُ يَعْقُوبُ الْحَسَنُ قَدَّسَهُ اللهُ فِي رِسَالَتِهِ التَّذْكِرَةُ الرُّوحِيَّةُ: جَلَّ اللَّهُ أَنْ يَمْكُرَ بِهِمْ وَلَكِنْ مَكَرُوا، وَأَخَذَهُمْ بِمَكْرِهِمْ سُبْحَانَهُ، أَيْ عَاقِبَهُمْ، وَهَذِهِ الْعُقُوبَةُ هِيَ نَتِيجَةُ مَكْرِهِمْ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدَ قَدَّسَهُ اللهُ فِي رِسَالَتِهِ قَلَائِدُ الدُّرَرِ: فَكَانَ مِنْ مَكْرِهِمْ أَنَّهُمْ أَظْهَرُوا الطَّاعَةَ وَأَخْفَوا الشَّكَّ فِيهِ، وَكَانَ مِنْ مَكْرِهِ أَنَّهُ أَظْهَرَ فِيهِمْ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَاجِزٌ مَغْلُوبٌ وَمَقْهُورٌ مُحْتَاجٌ، فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَظُنُّونَ وَعَزَّ عَمَّا يَقُولُونَ.




