﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أَيْ غَابَ، قَالَ﴿لَئِنْ لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ دَلَالَةً عَلَى الْهِدَايَةِ فِي مَعْرِفَةِ الْوُجُودِ الَّذِي رَآهُ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ ضَلَالٌ، أَيْ لَوَلَمْ يَهْدِنِي رَبِّي إِلَيْهِ لَكُنْتُ كَمَنْ ضَلَّ عَنْهُ وَسَمَّاهُمْ الْقَوْمَ الضَّالِّينَ بِضَلَالَتِهِمْ عَنْهُ وَجُحُودِهِمْ لَهُ، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّيٌّ هَذَا أَكْبَرُ﴾ وَأَعَلى وَإِنَّمَا مَثَّلَهُ بِالشَّمْسِ لِزِيَادَةِ الْكَشْفِ بِالتَّجَلِّي وَالِاشْتِهَارِ بِالْمَعْرِفَةِ كَمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ وُجُودِ الشَّمْسِ سِتْرَاً وَلَا خَفَاءً، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ دَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالتَّثْلِيثِ لَمْ يَكُنْ شِرْكًا، بَلْ مَا سِوَاهُ هُوَ الشِّرْكُ، وَيَنْسِبُ قَوْمَهُ إِلَى الشِّرْكِ لِعَدَمِ إِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ مُوَجِّهَاً وَمُشِيرَاً إِلَى مَا شَاهَدَهُ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وَقَدْ عَلِمَ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوَجُّهُ إِلَى الْغَيْبِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَقَالَ الشَّابُّ الثِّقَةُ قَدَّسَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ هُنَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَوَلَّى الْإِمَارَةَ أَبُوهُ الْأَوَّلُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَلَّمَا مَاتَ عَلِمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ وَقَالَ لَا أُحِبُّ الْأَفِلِينَ، أَيْ لَا أَعْبُدُ مَنْ يَمُوتُ، فَلَمَّا تَوَلَّاهَا الثَّانِي وَمَاتَ، عَلِمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ، وَلَمَّا تَوَلَّاهَا الثَّالِثُ وَمَاتَ، قَالَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا تَوَلَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ وَهُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ قَالَ: يَا قُومُ، إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.




