«الْمَلَأُ الْأَعْلَى»
قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾(1)، هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: أَنْكَرَتْ وَتَنَاكَرَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَطَهَّرَتُهُمْ بِسَيْفِي هَذَا، فَالْأَقْوَامُ الَّتِي تَخَاصَمَتْ وَأَنْكَرَتْ وَتَنَاكَرَتْ وَطَهَّرَهُمْ بِسَيْفِهِ هُوَ عِنْدَ ظُهُورِهِ سُبْحَانَهُ فِي الصُّورَةِ الظَّلِيَّةِ الْبَشَرِيَّةُ لِلْعَالَمِ الْبَشَرِيِّ التُّرَابِيِّ، أَنْكَرَتْ مَعْرِفَتَهُ طَوَائِفَ، وَقَوْلُهُ ﴿بِالْمَلَا الْأَعْلَى﴾ هُمْ الْجَمَاعَةُ وَ﴿الْأَعْلَى﴾ الْمُرْتَفِعُ، أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْإِرْتِفَاعِ وَهُمْ الْمُفَوِّضَةُ الَّذِي شَهِدُوا قُدْرَتَهُ وَأَيَّدُوا كَرَامَتَهُ وَأَوْقَعُوهُ بِالْقَتْلِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ، وَبَنُو أُمَيَّةَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَهَرُوهُ، وَلَمْ يُدْرِكُوا مَعْرِفَتَهُ، فَنَالَهُمْ مَا نَالَهُمْ، وَفَشِلُوا عِنْدَ مَحَطِّ رِحَالِهِمْ فَقَدْ اسْتَحَقُّوا بِمَا اكْتَسَبُوا مِنْ الْجَهْلِ وَالْغِوَايَةِ.
وَأَمَّا تَطْهِيرُهُ لَهُمْ حَيْثُ ظَهَرَ لَهُمْ كَصِفَاتِهِمْ، وَأَظْهَرَ الْمَعَاجِزَ وَالْقُدَرَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: الْمَلَأُ الْأَعْلَى صُورَةٌ عَارِيَّةٌ مِنْ الْمَوَادِّ، وَخَالِيَةٌ مِنْ الْقُوَّةِ وَالْإِسْتِعْدَادِ، تَجَلََّى لَهَا فَأَشْرَقَتْ، وَطَالَعَهَا بِنُورِهِ فَتِلَألَأتْ، فَأَلْقَى فِي هُوِيَّتِهَا مِثَالَهُ، وَأَظْهَرَ عَنْهَا أَفْعَالَهُ.




