أَيْ أَمَرَ إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ اخْتِيَارَاً، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ جَبْرَاً وَنَهَى آدَمَ عَنْ الشَّجَرَةِ، وَشَاءَ أَنْ يَأْكُلَ اخْتِيَارَاً لَا جَبْرَاً، وَقَالَ: الْمَعَاصِي لَيْسَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَكِنْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِ اللَّهِ وَمَشِيئَةُ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ فَقَضَاؤُهُ فِي الْمَعَاصِي حُكْمُهُ فِيهَا، وَمَشِيئَتُهُ فَفِي الْمَعَاصِي نَهْيُهُ عَنْهَا، وَقَدَرُهُ فِي الْمَعَاصِي عِلْمُهُ بِمَقَادِيرِهَا.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِمْلَاءُ وَالْإِسْتِدْرَاجُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ فَكُلُّ اسْتِدْرَاجِ إِمْلَاءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إِمْلَاءٍ اسْتِدْرَاجٌ، فَالْإِمْلَاءُ هُوَ لَا إِمْهَالٌ وَلا إطَالَةُ الْمُدَّةِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لَّأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾(1) أَمَّا الْإِسْتِدْرَاجُ فَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾(2)، وَهُوَ ابْتِلَاءُ الْكُفَّارِ وَاخْتِبَارُهُمْ وَكُلََّمَا حَدَّدَ أَحَدُهُمْ مَعْصِيَةً جُدِّدَ لَهُ نِعْمَةٌ، فَيُتَوَهَّمُ أَنَّهُ فَعَلَ خَيْرَاً فَيَتْرُكُ الْإِسْتِغْفَارَ، وَهَكَذَا يَأْخُذُهُ اللَّهُ شَيْئَاً فَشَيْئَاً دُونَ طَاعَتِهِ.




