فَقَدْ جَاءَ عَنْهَا فِي الرِّسَالَةِ الْمِصْرِيَّةِ: إِنَّ الْمَوْلَى الصَّادِقَ عَزَّ عِزُّهُ أَمَرَ بِاسْتِعْمَالِهَا مَعَ الْمُخَالِفِ وَنَهَى عَنْ اسْتِعْمَالِهَا مَعَ الْمُؤَالِفِ، وَالْعَارِفُ فِي بَوَاطِنِ الْعِبَادَاتِ مُطَالَبٌ بِإِقَامَتِهَا بَيْنَ الْعَامَّةِ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مَرْفُوعَةً عَنْهُ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَزَائِمِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ الظَّاهِرَةَ عِبَادَةُ الْبَدَنِ، وَبَاطِنُهَا عِبَادَةُ الرُّوحِ، وَبِمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْ بَدَنٍ وَرُوحٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَ الرُّوحَ وَالْبَدَنَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِمْ إِنَّ الْأَبْدَانَ لَا تَقَومُ بِلَا أَرْوَاحٍ، وَلَكِنَّ الْأَرْوَاحَ تَقُومُ بِلَا أَبْدَانٍ، وَذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الْوُجُودِ الرُّوحِيِّ فِي عَالَمِ الْمَلَكُوتِ عَلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ فِي عَالَمِ الْمُلْكِ، وَلِوُجُودِ حَيَاةٍ بَرْزَخِيَّةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَفِنَاءِ الْجَسَدِ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾(1) فَالْبَاطِنُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الرُّوحِ يَصْلُحُ بِغَيْرِ الظَّاهِرِ، أَمَّا الظَّاهِرُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الْبَدَنِ فَلَا يَصْلُحُ بِغَيْرِ الْبَاطِنِ، فَالظَّاهِرُ بِمَثَابَةِ لِحَاءِ الشَّجَرَةِ وَهُوَ فَرْعُ وَالْبَاطِنُ بِمَثَابَةِ اللُّبِ وَهُوَ الأَصْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّرْعَ الظَّاهِرَ الَّذِي بَلَّغَهُ الرَّسُولُ عَزَّ عِزُّهُ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لَا فِي السِّرِّ وَلَا فِي الْعَلَانِيَةِ، فَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ أَخَوَانٌ مُتَّفِقَانِ لَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظََّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾(2).
1سورة المؤمنون الاية 100
2سورة الحديد ت الاية 3




