وَمِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ: التَّقِيّةِ دِينِيٌّ وَدِينُ آبَائِي وَقَوْلُهُ: مَنْ لَا تَّقِيَّةَ لَهُ لَا دِينَ لَهُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي سِيرَةِ الصَّحَابَةِ السَّابِقِينَ: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ عُذِّبَ كَبِلَالِ بْنِ رِيَاحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى التَّقْوَى پَشْتُمُ النَّبِيَّ عَزَّ عِزُّهُ كَمَا جَرَى لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَدْ كَانَ أَبَوَاهُ شَهِيدَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَعْمِلَا مَبْدَأَ التَّقِيّةِ، أَمَّا عَمّارٌ فَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادَ بِلِسَانِهِ مُكْرَهَاً فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ عَمَّارَاً قَدْ كَفَرَ.
فَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: إِنَّ عَمَّارَاً مُلِيءَ إِيمَانَاً مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَقَدْ جَاءَ عَمّارُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ: مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَرَكُونِي حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ يَمْسَحُ الدُّمُوعَ عَنْ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: إِذَا عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ، وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾(1)، وَعَلَى هَذَا أَخْفَى النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ أَمْرَهُ فِي بَدْءِ الدَّعْوَةِ تَقِيّةً حَتَّى قَالَ اللَّهُ لَهُ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرْ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾(2) وَأَخْفَى ابُو طَالِبَ إِسْلَامَهُ، وَجَاهَرَ فِي بَقَائِهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ لِيَتَسَنَّى لَهُ الدِّفَاعَ عَنْ الرَّسُولِ عَزَّ عِزُّهُ، وَلِيُبْعِدَ عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ فِي دِفَاعِهِ عَنْهُ.




