وَالتَّقِيَّةُ الْحَذَرُ وَالْخَوْفُ، وَإِخْفَاءُ الْحَقِّ، وَمُعَامَلَةُ النَّاسِ فِي غَيْرِ دَوْلَتِهِمْ تَحَذُّرَاً مِنْ التَّلَفِ وَالتَّقِيَّةُ تَكُونُ مِنْ الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ كُفَّارٍ يَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ، وَلَا يُظْهِرُ لَهُمْ عَدَاوَتَهُ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بِكَلَامٍ يُوهِمُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ وَهُوَ يَضْمَرُ خِلَافَهُ، وَأَنْ يَلْجَأَ إِلَى التَّعْرِيضِ فِي أَقْوَالِهِ لِأَنَّ التَّقِيّةَ رُخْصَةٌ كَمَا يُحِبُّ أَوْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ، فَإِنْ قَبِلَهَا وَأَخَذَ بِهَا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَقُتِلَ مِنْ أَجْلِ إِيمَانِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ وَلَا وِزْرَ عَلَيْهِ، بَلْ يُثَابُ.
وَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ مِنْ خِلَالِ قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ الْمُتَنَبَّئُ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَحَدُهُمْ أَقَرَّ لَهُ بِنُبُوَّتِهِ، فَسَلِمَ مِنْ الْقَتْلِ، وَالْآخَرُ أَنْكَرَهَا عَلَيْهِ، فَقُتَلَ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ قَالَ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى يَقِينِهِ، فَهَنِيئَاً لَهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَدْ قَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ.
فَالتَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ فِيمَا يَتَعَلّقُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ، أَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إِلَى الْغَيْرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَإِطِّلَاعِ الْكَافِرِينَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.




