وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ لِلثَّلَاثَةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ امْتَنَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ الزَّوَاجِ وَالْآخَرُ عَنْ الْأَكْلِ فِي النَّهَارِ، وَالثَّالِثُ عَنْ النَّوْمِ فِي اللَّيْلِ، ظَنَّاً مِنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّقْوَى، فَقَالَ عَزَّ عِزُّهُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ إِلَى اللَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنَّنِي أَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْلِيمِ لَنَا، وَحَاشَا أَنْ يَقَعَ الرَّسُولُ بَاطِنَاً تَحْتَ هَذَا الْمَفْهُومِ وَهُوَ إِسْمُ اللَّهِ الْعَظِيمِ، فَالتَّقْوَى مَا كَانَ فِي خَطِّ الْعُمْقِ، أَيْ تَعْمِيقُ الْإِلْتِزَامِ بِمَا أَمَرَ تَرْكَاً فِي السَّلْبِ، وَابْتِعَادَاً وَعَمَلَاً بِالْإِيجَابِ، وَإِيغَالَاً بِرِفْقٍ وَالتَّقْوَى مُلَازَمَةٌ بِالْإِخْلَاصِ، وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَلْمَحَ فِي كُلِّ مَوْقِعٍ وَرَدَتْ فِيهِ كَلِمَةُ التَّقْوَى فِي الْقُرْآنِ إِخْلَاصًا لِلَّهِ أَوْ اسْتِشْعَارَاً لِرَقَابَةِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾(1) وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدً﴾(2) وَلِأَنَّ الْإِخْلَاصَ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ وَلَا يَعْرِفُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَبِمَا أَنَّ التَّقْوَى مَحَلُّهَا السِّرُّ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ الشَّرِيفِ وَيَقُولُ: التَّقْوَى هَاهُنَا.




