وَعَرَفْتُ مَذَاهِبَ أَهْلِهَا وَمَنَاهِجَهُمْ، فَوَجَدْتُ أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَبَلِ شَذُّوا عَنْ الْحَقِّ وَقَوْلِ الصِّدْقِ، وَمَالُوا إِلَى الْأَسْبَابِ الْفَاسِدَةِ وَالتِّجَارَةِ الْخَاسِرَةِ، وَكُلٌّ قَدْ لَهَجَ بِاسْمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى مَرْئِيٍّ، وَكُلُّ جَمَاعَةٍ قَدْ لَهَتْ بَإمَامٍ دُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ، وَبَعْضُهُمْ كُنْتُ أَسْمَعُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي نَطَقَ عَلَى سَائِرِ الْمَنَابِرِ أَنَا اللَّهُ، عِنْدَهُمْ أَنَّهُ قَمِيصُ الظُّهُورِ وَلِسَانُ الْعِبَارَةِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِلِسَانٍ وَاللِّسَانُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ، وَالصُّورَةُ هِيَ مَعْدِنُ الْإِشَارَةِ وَالْمَعْدِنُ مُسْتَقَرُّ وَمَسْكَنُ الْغَيْبِ، وَحَجَبَهُمْ بِالصُّورَةِ الْمَرْئِيّةِ الَّتِي أَوْرَاهُمْ مِنْهَا النُّطْقَ الْإِلَهِيَّ، وَهِيَ صِفَةُ النُّورِ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تِلْكَ صِفَاتُ النُّورِ وَقُمُصِ الظُّهُورِ، لِأَنَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا الْإِسْمُ، وَهِيَ حِجَابُ الْعَقْلِ، وَحَيَاةُ كُلِّ مَا فِي الدَّارِ، وَعَاشَرْتُ فِي زَمَانِي مِنْ هَؤُلَاءِ نَاشِي قُرْمُسَ، وَرَبِيعَةُ السُّوَيْدِيُّ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ الرِّجَالِ كَانُوا فِي الْجَبَلِ قَدْ شَذُّوا عَنْ الْأُبُوَّةِ الشُّعَيْبِيَّةِ وَالْمَقَالَةِ الْخَصِيبِيَّةِ، وَكَانَ لِلْجَبَلِ إِمَامٌ يُقَالُ لَهُ جَامِعٌ مِنْ قَرْيَةِ الْمُرِيحِ، وَقَدْ نَاظَرَ أَصْحَابَ الْأَسْبَابِ الْفَاسِدَةِ وَأَفْلَجَ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ تَوَلَّى مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ إِمَامَةَ الشَّعْبِ بَعْدَ وَفَاةِ سَيّدِهِ شَّيْخُ جَامِعِ الْمُرِيحِ قَدَّسَهُ اللهُ.




