وَالظُّلْمَةُ الْمَجَازِيَّةُ: مَا يُنْسَبُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ، كَمَا يُقَالُ: ظُلْمَةُ الشَّكِّ، وَظُلْمَةُ الْجَهْلِ وَظُلْمَةُ الْحِيرَةِ، وَظُلْمَةُ الْكُفْرِ، وَظُلْمَةُ الشَّهْوَةِ، وَظُلْمَةُ الْغَضَبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ.
وَالظُّلْمَةُ ضِدُّ النُّورِ، وَيَقُولُ حَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ: إِنَّ الْحَقَّ تَعَالَى هُوَ النُّورُ وَالنُّورُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَى فِي النُّورِ، وَكَمَالُ رُؤْيَةِ النُّورِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مُقَابَلَةِ الظُّلْمَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الظُّلْمَةَ وَسَائِرَ الظُّلُمَاتِ بِحَذَافِيرِهَا مُضَافَةٌ إِلَى الضِّدِّ الْأَزَلِ وَالْعُنْصُرِ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ ظُلْمَةُ الظُّلُمَاتِ، أَيْ مَصْدَرُهَا وَحَقِيقَتُهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ: إِنَّهُ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ السِّتَّةَ الْأَكْوَانِ الَّذِينَ هُمْ الْبَابُ وَالْأَيْتَامُ الْخَمْسَةُ، وَكُلُّ كَوْنِ خَلَقَ مِنْهُ خَلْقَاً وَدَعَاهُمْ فَأَجَابُوا مُطِيعِينَ لَهُ فِي كُلِّ الْحَالَاتِ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي كُلِّ هَذِهِ الْمَرَّةِ الَّتِي لَا يَعْلَمْ عَدَدُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى جَحْداً وَلَا إِنْكَاراً وَلَا ظُلْمَةً وَلَا اسْتِكْبَاراً إِلَى أَنْ وَجَدَ عُنْصُرَ الظُّلْمَةِ وَالشَّكِّ وَالْحَيْرَةِ مِنْ نَارِ الْأَنَفَةِ وَالْحَمِيَّةِ.
وَفِي رِسَالَةِ شَيْخِنَا: قَالَ السَّائِلُ: فَمَا خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَكْوَانَ السِّتَّةَ ؟ قُلْنَا لَهُ: خَلَقَ مِنْ كُلِّ كَوْنٍ خَلْقَاً عَرَفُوهُ فَوَحَّدُوهُ وَسَبَّحُوهُ وَقَدَّسُوهُ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْأَظِلّةِ، فَإِنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ مِنْ إِبْلِيسَ الْأَبَالِسَةِ وَأَتْبَاعِهِ، فَهَذَا أَصْلُ الشِّرْكِ وَالشَّكِّ وَالْحِيرَةِ وَالْمَعْصِيَةِ.




