وَقَالَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِتَابِهِ حَقَائِقُ التَّأْوِيلِ: لَقَدْ أطْبَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ وَفِيهِمْ الْأُسْقُفُ أَبُو حَارِثَةَ ابْنُ عَلْقَمَةَ، وَالسَّيّدُ، وَالْعَاقِبُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ: دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَأَقْعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّاً، وَمِنْ وَرَائِهِ فَاطِمَةُ وَعَنْ يَمِينِهِ الْحَسَنُ، وَعَنْ يَسَارِهِ الْحُسَيْنُ، وَكَانَ دُعَاءُ الْأَبْنَاءِ مَصْرُوفَاً إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَدُعَاءُ النِّسَاءِ مَصْرُوفَاً إِلَى فَاطِمَةَ، وَدُعَاءُ الْأَنْفُسِ مَصْرُوفَاً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِي الْجَمَاعَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَوَجِّهَاً إِلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ دُعَاءَ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ.
حُكِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ فِي إِيوَانِ أَبِي مُسْلِمٍ بِمَرُوَ، وَعَلِيُّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا قَاعِدٌ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ لِي الْمَأْمُونُ: يَا قَاسِمُ، أَيُّ فَضَائِلِ صَاحِبِكَ أَفْضَلُ ؟ قُلْتُ: لَيْسَ مِنْهَا شَيْئاً أَفْضَلُ مِنْ آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ نَفْسَ رَسُولِ اللَّهِ وَنَفْسَ عَلِيٍّ وَاحِدَةٌ: قَالَ الْمَأْمُونُ: إِنْ قَالَ لَكَ خَصْمُكَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ عَرَفُوا الْأَبْنَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالنِّسَاءَ، وَهُمْ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَفَاطِمَةُ، وَأَمَّا الْأَنْفُسُ فَهِيَ نَفْسُ رَسُولِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُجِيبُهُ ؟ فَلَمْ أَعْرِفْ بِمَاذَا أُجِيبُهُ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِلرِّضَا: مَا تَقُولُ فِيهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ لَهُ: فِي هَذَا شَيْءٌ لِا مْذَهَبَ عَنْهُ، قَالَ الْمَأْمُونُ: مَا هُو ؟ قَالَ: هُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ دَاعٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ...﴾، وَالدَّاعِي لَا يَدْعُو نَفْسَهُ وَإنَّمَا يَدْعُو غَيْرَهُ فَلَمَّا دَعَا الأَبْنَاءَ وَالنِّسَاءَ وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتَوَجَّهَ دُعَاءُ الْأَنْفُسِ إلَّا إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ بَعْدَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَجُوزُ تَوَجُّهُ دُعَاءِ الْأَنْفُسِ إلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَطُلَ مَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ الْقَاسِمُ: فَانْجَلَي عَنْ بَصْرِي، وَأَمْسَكَ الْمَأْمُونُ قَلِيلَاً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِذَا أُصِيبَ الصَّوَابُ انْقَطَعَ الْجَوَابُ.




