«الْمُسْتَقِرُّ وَالْمُسْتَوْدَعُ»
قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾(1).
قَالَ ابْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابِ حَقَائِقِ أَسْرَارِ الدِّينِ: إِنّ مَا عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ الشَّكِّ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِهِ هُوَ مِنْ الْحِجَابِ الَّذِي لَا إِيمَانَ فِيهِ وَلَا كُفْرَ بِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ، فَكُلُّ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ مِنْ التَّكْذِيبِ وَالتَّوَهُّمِ فَهُوَ عَلَى سَبِيلِ الْجَهْلِ لَا عْلَى سَبِيلِ الْمُعَانَدَةِ، وَهُوَ مِنْ الْحِجَابِ الَّذِي عَلَى قَلْبِهِ، ثُمَّ يَصِيرُ الْمُؤْمِنُ عَلَى بَصِيرَةٍ إِذَا انْكَشَفَ عَنْهُ الْحِجَابُ، وَلِهَذَا صَارَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى دَرَجَةً مِنْ بَعْضٍ فِي الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ إِذَا رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا رُفِعَ عَنْ صَاحِبِهِ.
وَعَلَامَةُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَقِفُ فِي شَيْءٍ إِذَا سَمِعَهُ فَيَقُولُ مَا أَدْرِي أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ ؟ فَلَوْ رَقَّ ذَلِكَ الْحِجَابُ عَنْهُ لَكَانَ إِمَّا يَقْبَلُ وَإِمَّا يَجْحَدُ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يَصِلُ إِلَى الْقَلْبِ، فَإِنْ قَبِلَ كَانَ مُؤْمِنَاً، وَإنْ جَحَدَ كَانَ كَافِرَاً، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ يَعْنِي قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْمُسْتَقِرُّ مَا اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِيهَا، وَهُوَ مَا سَكَنَ فِي الْقَلْبِ وَالْمُسْتَوْدَعُ فَهُوَ الْحُجُبُ،




