وَمَنْ فَهِمَ مَعْنَى التَّنْزِيلَ وَعَرَفَ حَقِيقَةَ التَّأْوِيلِ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ غَيْرَ الْعِلْمِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، فَفِي ذَلِكَ يَتَفَكَّرُونَ وَيَتَلَذَّذُونَ، فَيَا لَهَا مِنْ لَذَّةِ مَا أَهْنَأَهَا، وَنِعْمَةِ مَا أَمْنَاهَا، وَجَنَّةٍ مَا أَبْقَاهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾(1) وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ وَتَوَالَدُوا وَتَنَاكَحُوا وَتَنَاسَلُوا فَالنِّكَاحُ هُوَ أَنْ يُمْلِيَ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى بِالسِّرِّ الْجَارِي وَالْمَدَدِ الرَّبَّانِيِّ عِنْدَ الْإِقْتِبَاسِ، وَمِنْ هَذَا النِّكَاحِ يَحْصُلُ التَّوَالُدُ وَالتَّنَاسُلُ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ زِيَادَةُ نُورِ الْأَدْنَى عِنْدَ إِقْتِبَاسِهِ مِنْ الْأَعْلَى، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَانْقَطَعَ ضِيَاءُهُمْ وَبَعُدَ نُورُهُمْ، وَلَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا أَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً لَكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(2)، يَعْنِي بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِيْنٍ * وَاَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِأَيْمَانٍ الْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلْتُنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِمْ مِّنْ شَيْءٍ كُلُّ أَمْرِيءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينُ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لِا لْغُوٌّ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُوٌّ مَكْنُونَ﴾(3) يَعْنِي مَرَاتِبَ وَدَرَجَ مَعْلُومَةً مُتْقَنَةً، لَا يَتَجَاوَزُ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَرَجَتَهُ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأَسَا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنْثُورَاً﴾(4).
1سورة هود الاية 107
2سورة الطور الاية 17 19
3سورة الطور الاية 20 24
4سورة الانسان الاية 17 19




