وَيَقُولُ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهِ: إِنْ شِئْتَ فَقُلْ أَنَّ اللَّهَ تَفَرّدَ بِالْوَحْدَةِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ ذَاتِهِ، وَلَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ وَلَا نَعْتٌ زَائِدٌ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَفَاضَهَا عَلَى خَلْقِهِ، فَأَوَّلُ مَوْجُودٍ مِنْ قِبَلِ الْوَحْدَةِ أَمْرُهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ﴾ (1)، وَأَوَّلُ مُبْدِعٍ مِنْ قِبَلِ الْوَحْدَةِ مِنْ الْأَمْرِ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ، وَأَوَّلُ مُنْبَعِثٍ مِنْ قِبَلِ الْوَحْدَةِ مِنْ الْعَقْلِ هُوَ النَّفْسُ، وَأَوَّلُ مُكَوَّنٍ مِنْ قِبَلِ الْوَحْدَةِ مِنْ النَّفْسِ جُرْمُ الْكُلِّ، ثُمَّ أَفَاضَ الْوَحْدَةَ عَلَى الطَّبَائِعِ وَالْمُرَكَّبَاتِ.
وَفِي التَّنْبِيهِ: الْفَرَاسَةُ وَالْمُشَاهَدَةُ وَالْمُكَاشَفَةُ وَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِتَوْفِيَتِهَا بِقَوْلِ الْحَقِّ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَأَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾(2)، وَهَذَا آخِرُ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ فِي السُّلُوكِ، وَيَنْتَقِلُ السَّالِكُ مِنْ هَذَا الْمَقَامِ إِلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَهُوَ مَقَامُ مَنْ يَرَى اللَّهَ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى تَقْيِيدِ الشَّيْءِ وَتَعْيِينِهِ، وَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾(3) وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾(4)، وَقَالَ ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾(5).




