مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قَامُوسُ الْمَفَاهِيمِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمُصْطَلَحَاتِ الْخَصِيبِيَّةِ - الْجُزْءُ 1 - قَاسِمُ شَحَادَةُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 296 من 319

قَالَ الشَّيْخُ مُحِيُّ الدِّينِ بْنُ عَرَبِيٍّ: فَمَنْ دَانَ بِالْإِشْفَاعِ كَانَ مُشْرِكاً، وَمَنْ دَانَ بِالْإِفْرَادِ كَانَ مُوَحِّدَاً، وَرَأْيٌ كَهَذَا يُنَافِي مَذْهَبَ الْخُصِيبِيُّ وَيُخَالِفُهُ عَلَى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ فَلَا يَلْتَقِيَانِ أَبَدَاً، وَأَصْلُ هَذَا الرَّأْيِ بُوذِيٌّ كَمَا أَثْبَتَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَلَا يَجُوزُ الْإِعْتِقَادُ بِهِ قَطْعَاً، لِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّيْخِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ ظَاهِرٌ لَمْ يَزَلْ وَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ، فَلَوْ كَانَ قِيَامُ الْكَائِنَاتِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالقَوْلُ أَيْنَمَا حَلََّتِ الْقُدْرَةُ فَهُنَاكَ الْقَادِرُ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَجَلَّى بِأَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى يَقْصِدُ بِهَا وَحْدَةَ الْوُجُودِ، وَإِنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى مَوْجُودٌ بِالْأَشْيَاءِ بِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهَا بِقُدْرَتِهِ، وَلَيْسَتْ قُدْرَتُهُ غَيْرَ ذَاتِهِ لَمَا كَانَ لِقَصْدِهِمْ ظُهُورَاتُ الْبَارِي عَلَى أَسْمَاءٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مَعْنى، بَلْ كَانَ الْأَوْلَى بِهِمْ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَالُوا لَنَا لِتَكُونَ الْمَعْرِفَةُ تَامَّةً أَنَّهُ يُشَارُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِاسْمِهِ وَبَابِهِ وَبِأَيْتَامِهِ وَبِجَمِيعِ الْأَنْوَارِ وَالْأَبْشَارِ وَبِكُلِّ مَا تَحْتَ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ وَيُعْبَدُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِيهَا بِذَاتِهِ، وَإِنَّهُ هُوَ عَيْنُهَا، وَإِذَا كَانَ مَوْجُودَاً فِيهَا ظَاهِرَاً بِهَا وَكَانَتْ هَذِهِ الأشْيَاءُ كُلُّهَا ذَاتَهُ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ وَلَا يَتَجَلَّى بِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَوْجَبُوا عَلَيْنَا مَعْرِفَتَهُ بِظُهُورَاتِهِ وَسَمَّوْهَا لَنَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا لَنَا ظُهُورَهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَحْدَةَ الْوُجُودِ لَيْسَتْ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي شَيْءٍ، بَلْ هِيَ مُنَاقِضَةٌ لَهُ كُلَّ الْمُنَاقَضَةِ، قَالَ الْمَكْزُونُ: وَيَزْعُمُ طَوْرَاً أَنَّهُ عَيْنُ عَيْنِهَا.

وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ أَنَّ الْوَحْدَةَ الَّتِي تُذْكَرُ فِي تَفْسِيرِ الْفَلَاسِفَةِ الدِّينِيِّينَ وَالْمُتَصَوِّفِينَ لَا يُرَادُ بِهَا كَمَا يَتَبَادَرُ وَحْدَةُ الْجَوْهَرِ وَالْحُلُولِ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئَاً أَصَابَ فِي عِبَادَتِهِ اللَّهَ، وَفِي ذَلِكَ نَفْيُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالْجُحُودُ وَالْقَضَاءُ بِالْعَبَثِ عَلَى حِكْمَةِ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِإِنْزَالِ الْكُتُبِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَابْطَالِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَبِذَلِكَ فَسَادُ الْأَخْلَاقِ.

الصفحة 296 من 319