فَالتَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ، أَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إِلَى الْغَيْرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَإِطْلَاعِ الْكَافِرِينَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزِ الْبَتَّةَ، وَالتَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لِقَوْلِ الرَّسُولِ عَزَّ عِزُّهُ: حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَهِيَ تَحِلُّ مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾(1)، وَلَقَدْ أَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ إِذَا شَاكَلَتِ الْحَالَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَذَلِكَ مُحَامَاةً عَنْ النَّفْسِ وَدِفَاعَاً عَنْهَا، وَهَذَا الْحُكْمُ كَانَ ثَابِتَاً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ ضَعْفِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَمَّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ قَالَ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى، لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ النَّفْسِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: التَّقِيَّةُ لَاتَّحِلُّ إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ.




