«التَّقِيّةُ (الْمُجَامَلَةُ)»
التَّقِيَّةِ: الْحَذَرُ وَالْخَوْفُ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَقَى، تَقُولُ وَقَى الشَّيْءَ وَقْيَاً، وَوِاقِيَةً، وَوَاقَاهُ صَانَهُ مِنْ الْأَذَى وَحَمَاهُ، وَمِنْهُ التِقَاةُ الْخَشْيَةُ وَالْخَوْفُ وَالتَّقِيَّةُ عِنْدَ بَعْضِ الْفِرَقِ إِخْفَاءُ الْحَقِّ وَمُصَانَعَةُ النَّاسِ فِي غَيْرِ دَوْلَتِهِمْ تَحَرُّزَاً مِنْ التَّلَفِ وَالتَّقِيَّةُ تَكُونُ مِنْ الْمُسْلِمِ إِذَا كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ كُفَّارٍ يَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ، وَلَا يُظْهِرُ لَهُمْ عَدَاوَتَهُ، بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ بِكَلَامٍ يُوهِمُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَهُوَ يَضْمَرُ خِلَافَهُ، وَأَنْ يَلْجَأَ إِلَى التَّعْرِيضِ فِي اقْوَالِهِ لِأَنَّ التَّقِيَّةَ فِي تَأْثِيرِهَا الظَّاهِرِ لَا فِي أَحْوَالِ الْقُلُوبِ، وَهِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَضَّلُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ، وَاَللَّهُ يُحِبّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمَهُ فَإِنْ قَبِلَهَا وَأَخَذَ بِهَا فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا وَقُتِلَ مِنْ اجْلِ إِيمَانِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ وَلَا وِزْرَ عَلَيْهِ بَلْ يُثَابُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، وَلَا يَقْتُلْ وَلَا يَأْتِي مَأْثَمَاً، وَلِلتَّقِيَّةُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْإِيمَانِ وَالْحَقِّ حَيْثُ تَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ الْمُتَنَبِّيءِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَحَدُهُمَا أَقَرَّ لَهُ بِنُبُوَّتِهِ فَسَلِمَ مِنْ الْقَتْلِ، وَالْآخَرُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقُتِلَ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ قَالَ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى يَقِينِهِ فَهَنِيئَاً لَهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَدْ قَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ.




