مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قَامُوسُ الْمَفَاهِيمِ الْعَقَائِدِيَّةِ وَالْمُصْطَلَحَاتِ الْخَصِيبِيَّةِ - الْجُزْءُ 1 - قَاسِمُ شَحَادَةُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 245 من 319

فَلَمَّا ظَهَرَتْ الْفِرَقُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَزَعَمَ كُلٌّ مِنْهَا أَنَّ فِيهِمْ عُبَّادَاً وَزُهَّادَاً انْفَرَدَ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُقْبِلُونَ عَلَى الْعِبَادَةِ بِاسْمِ الصُّوفِيَّةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ، لَكِنَّ التَّصَوُّفَ مَرَّ بِمَرَاحِلَ مُتَعَدِّدَةٍ، فَكَثُرَتْ مَفَاهِيمُهُ وَإِنْ تَضَمَّنَتْ جَمِيعُهَا أَخْلَاقِيَّاتٍ مُسْتَمَدَّةً مِنْ الْإِسْلَامِ، فَلَفْظُ التَّصَوُّفِ اسْتُحْدِثَ أَوَّلَ الْأَمْرِ لِلتَّعْبِيرِ عَنْ مَعْنَى الْكَمَالِ الدِّينِيِّ بِالتَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَكَانَ الصُّوفِيُّ مُخَالِفَاً لِلْجَمَاهِيرِ بِفَقْرِهِ وَوَرَعِهِ، عَلَى حِينِ يَلْتَمِسُ غَيْرُهُ الْمَالَ وَيَطْمَعُ فِي الْغِنَى، ثُمَّ حَدَثَتِ الْعُلُومُ الدِّينِيَّةُ وَاقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْفِقْهِ يَتَنَافَسُونَ فِي تَدَارُسِهِ، وَفِي الْعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ، فَأَصْبَحَ الْكَمَالُ الدِّينِيُّ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنْهُ الْمُتَصَوِّفُ شَيْئَاً وَرَاءَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ، وَيَصْرِفُونَ إِلَيْهِ جُهُودَهُمْ، وَهُوَ صَفَاءُ الْقَلْبِ وَتَأَثُّرُهُ بِالْعِبَادَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ.

أَوْ هُوَ بِالْأَحْرَى الْإِتْجَاهُ إِلَى تَحْسِينِ الْأَدَاءِ بِدَافِعِ الْمُرَاقَبَةِ للهِ، أَوْ الْحُبُّ للهِ، وَهُوَ الْأَعْلَى وَالْأَرْقَى، وَلَمَّا نَشَأَ الْبَحْثُ فِي الْعَقَائِدِ وَالْتِمَاسِ الْإِيمَانِ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ أَوْ النُّصُوصِ الْمُقَدَّسَةِ، وَتَوَجَّهَتْ هِمَمُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْتِمَاسِ الْمَعْرِفَةِ عَلَى أَسَالِيبِ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَصْبَحَ الْكَمَالُ الدِّينِيُّ عِنْدَ الْمُتَصَوِّفَةِ الْتِمَاسَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ عَنْ طَرِيقِ الْمُكَاشَفَةِ، وَأَصْبَحَ التَّصَوُّفُ يَعْنِي بَيَانَ هَذَا الطَّرِيقِ وَسُلُوكِهَا وَشَاعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَقَاوِيلُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فِي الصَّانِعِ وَصُدُورِ الْمَوْجُودَاتِ عَنْهُ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ عَوَالِمِ الْأَرْوَاحِ وَشُؤُونِ الْآخِرَةِ فَتَكَلَّمَ الصُّوفِيَّةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى مَنْهَجِهِمْ الَّذِي لَا يَعْتَمِدُ عَلَى نَظَرٍ وَلَا عَلَى مَعْرِفَةِ إِلَّا مَنْ ذَاقَ مَا ذَاقُوا، وَهُمْ يَرَوْنَ مَا تَكَلَّمُوا بِهِ حَقَّ الْيَقِينَ الَّذِي لَا يَقَبَلُ شَكًّاً وَلَا يَلْحَقُهُ بُطْلَانٌ، وَلَا يُدْرِكُهُ الَا مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ الْعِرْفَانِ.

الصفحة 245 من 319