أَمَّا بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا جَاءَ مَوْسِمُ الْحَجِّ التَّالِي مِنْ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ عَشَرَ لِلْبَيْعَةِ خَرَجَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مَعَ وَفْدِ يَثْرِبَ إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْلِنُوا عَنْ إِسْلَامِهِمْ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (12) ذُو الْحِجَّةِ تَسَلَّلُوا وَاحِدَاً وَاحِدَاً حَتَّى اجْتَمَعُوا فِي شِعْبِ الْعَقَبَةِ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمَوْعُودُ لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ. وَكَانَ قَدْ مَضَى مِنْ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ الْأَوَّلُ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، فَكَانَ أَوَّلَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِذْ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إِنَّ مُحَمَّدَاً مِنَّا حَيْثُ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ، وَهُوَ فِي عِزِّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَقَدْ أَبَى إِلَّا اللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مَانَعُوهُ مِمَّنْ خَالَفُوهُ فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ وَإلَّا فَدَعُوهُ، فَقَالَ الْبَرَاءُ إِنَّا وَاَللَّهِ نُرِيدُ الْوَفَاءَ وَالصِّدْقَ وَبَذْلَ الْمَهَجِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ ثُمَّ خَاطَبَ رَسُولَ اللَّهِ قَائِلَاً تَكَلَّمْ يَا رِسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ، فَقَالَ الرَّسُولُ عَزَّ عِزُّهُ بَعْدَ أَنْ تَلَا آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، ثُمَّ دَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَرَغَّبَ فِيهِ: أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئَاً، وَتُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا الْحَقَّ، وَلَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمْ الْجَنَّةُ فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بِيَدِهِ وَقَالَ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ بِهِ نِسَاءَنَا وَأَنْفُسَنَا، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَهْلُ الْحَرْبِ، وَرِثْنَاهَا كَابِراً عَنْ كَابِرٍ وَقَامَ إِلَيْهِ الْقَوْمُ وَبَايَعُوهُ،




