«النُّقَبَاءُ»
كَانَ النَّبِيُّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَالْوُفُودِ الَّتِي كَانَتْ تَتَقَاطَرُ إِلَى مَكَّةَ فِي الْمَوَاسِمِ كَالْأَسْوَاقِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي كَانُوا يَقْصِدُونَهَا لِلتِّجَارَةِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَالْحَجِّ، فَيَلْتَقِي بَعْضُهُمْ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَفِي مَوْسِمِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ لِلْبِعْثَةِ قَدِمَ مَكَّةَ وَفْدُ يَثْرِبَ، وَفِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلَاً، فَالْتَقَاهُمُ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَفِيهِمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثَ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ: أَلَا تَجْلِسُوا أُكَلِّمُكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَانْتَسَبَ لَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَشَرَحَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلْإِسْلَامِ، وَقَبِلُوهُ فَبَايَعُوهُ، فَسُمِّيَتْ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى.
وَقَدْ وَصَفَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ الْبَيْعَةَ فِي قَوْلِهِ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ عَزَّ عِزُّهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى أَلَّا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئَاً، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا وَلَا نَأْتِي بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيهِ فِي مَعْرُوفٍ، وَكَانُوا عَشَرَةً مِنْ الْخَزْرَجِ، وَاثْنَيْنِ مِنْ الْأَوْسِ، وَهُمَا الْقَبِيلَتَانِ الرَّئِيسَتَانِ فِي يَثْرِبَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُمُ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ مُصْعَبَ بْنُ عُمَيْرٍ يُعَلِّمُهُمْ الْإِسْلَامَ وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَكَانَ مُصْعَبٌ بِهَذَا أَوَّلَ سَفِيرٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَوْفَدَهُ النَّبِيُّ عَزَّ عِزُّهُ فِي مُهِمَّةٍ رِسَالِيَّةٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ آنَذَاكَ (37) سَنَةً، وَأَوْعَدَهُمْ أَنْ يُوَافُوهُ فِي الْمَوْسِمِ الْقَادِمِ فِي الشِّعْبِ الْأَيمَنِ إِذَا انْحَدَرُوا مِنْ مِنًى، أَسْفَلَ الْعَقَبَةِ، وَأَنْ يَأْتُوهُ لَيْلَاً وَهَذِهِ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى.




