كَذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْوَسَطِيُّ بَيْنَ رُتْبَتَيْنِ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالصِّرَاطُ بَيْنَ الْجَنّةِ وَالنَّارِ، كَانَ لَيْسَ مِنْ الْمُسْتَحِيلِ ظُهُورُهُ سُبْحَانَهُ لِعَالَمِ الْإِنْسَانِ لَمَا أُوْدِعَ فِيهِ مِنْ النُّورِ وَالْقُوَّةِ وَالْإِسْتِعْدَادِ لِقَبُولِهِ إِشْرَاقَ الْفَيُوضَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، إِذْ جَعَلَهُ سِرَّ الْوُجُودِ، قَالَ تَعَالَى ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا﴾(1) أَيْ ظُهُورَاتِنَا ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ وَهُوَ عَالَمُ الْعَقْلِ ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أَيْ عَالَمَ الْإِنْسَانِ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾(2) وَقَالَ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(3).
وَالْخُلَاصَةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزّ وَجَلّ لَوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ لِكَافَّةِ خَلْقِهِ لَمَا عَرَفَهُ الْمُقِرُّ مِنْ الْمُنْكِرِ، وَالْجَاحِدُ مِنْ الْعَارِفِ وَلَكَانَ الْمُنْكِرُ مَحْمُودَاً، وَالْمُقِرُّ مَذْمُومَاً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُقِرَّ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُعْرَفْ، وَالْمُنْكِرُ أَنْكَرَ مَا لَمْ يُعْرَفْ فَيَكُونُ صَادِقَاً مَحْمُودَاً، وَيَكُونُ الْمُقِرُّ بِإِقْرَارِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ كَاذِبَاً مَذْمُومَاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾(4) فَوَجَبَتِ اللَّعْنَةُ عَلَى مَنْ عَرَفَهُ وَأَنْكَرَهُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ، وَكَذَا الْمُقِرُّ إِذَا أَقَرَّ بِمَا لَا يَعْرَفُ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لِكَذِبِهِ، لِأَنَّهُ ادَّعَى مَعْرِفَةَ مَالا يُعْرَفُ، فَكَانَ دَعْوَاهُ بَاطِلاً.




