ولِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْقَضِي لِمَجِيءِ الْآخَرِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهَما، إِذِ الْقَدِيمُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْقِضَاءُ وَعَلَى أَنَّ لَهُما مُحْدِثاً قَادِراً عَالِماً، وَقَدْ عَلِمْنَا إِنَّ أَحَداً مِنَ الْبَشَرِ لَمْ يُحْدِثْهُمَا لِعَجْزِ الْبَشَرِ عَنْ ذَلِكَ، فَدَلَّ إِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْقَادِرِ لِذَاتِهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقِيلَ إِنَّ آيَتَيِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هُمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾(1) أَيْ: طَمَسْنَا نُورَهَا بِمَا جَعَلْنَا فِيهَا مِنَ السَّوَادِ، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾(2) أَي: نَيِّرَةً مُضِيئَةً لِلْأَبْصَارِ يُبْصِرُ بِهَا أَهْلُ النَّهَارِ. وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَاهُ جَعَلْنَا آيَةَ اللَّيْلِ ممَحْوَةً وَالْمُرَادُ جَعَلْنَاهُ مُظْلِماً لَا يُبْصَرُ فِيهِ كَمَا لَا يُبْصَرُ مَا يُمْحَى مِنَ الْكِتَابِ. ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أَيْ: جَعَلْنَا النَّهَارَ مُضِيئاً يُبْصَرُ فِيهِ وَتُدْرَكُ الْأَشْيَاءُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ آيَةُ اللَّيْلِ هِيَ اللَّيْلُ نَفْسُهُ وَآيَةُ النَّهَارِ هِيَ النَّهَارُ نَفْسُهُ كَمَا يُقَالُ نَفْسُ الشَّيْءِ وَعَيْنُ الشَّيْءِ وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ الْبَلَاغَةِ.




