وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَضْلُ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبْرِسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ حَالَ النَّاسِ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ أَيْ: نَاعِمَةٌ بَهِجَةٌ حَسَنَةٌ مُضِيئَةٌ يَعْلُوهَا النُّورُ. ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: اخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ إِحْدَاهُمَا: إِنَّ مَعْنَاهُ نَظَرُ الْعَيْنِ وَالثَّانِي إِنَّهُ الِانْتِظَارُ. وَاخْتَلَفَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى نَظَرِ الْعَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ إِلَى ثَوَابِ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ أَيْ هِيَ نَاظِرَةٌ إِلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ حَالاً بَعْدَ حَالٍ فَيَزْدَادُ بِذَلِكَ سُرُورُهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمْ: إِنَّ النَّظَرَ بِمَعْنَى الرُّؤْيَا وَالْمَعْنَى تَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ مُعَايَنَةً، وَهَذَا الْقَوْلُ يُطَابِقُ رَأْيَ الْفِرْقَةِ الْعَيْنِيَّةِ الَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةً مُؤَكَّدَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا أَنَّ رُؤْيَتَهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى ظَهَرَ لْعَالَمِ النَّاسُوتَ بِجِسْمٍ وَصِفَةٍ وَاسْمٍ يُعْرَفُ بِهِ بَيْنَ عَالَمِ النَّاسُوتِ وَهُوَ تَعَالَى لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّحْدِيدِ، فَكَذَلِكَ إِنَّ ظُهُورَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصُورَةٍ وصِفَةٍ وَاسْمٍ يُظْهِرُهَا لِلنَّاسِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَجِلُّ عَنِ التَّحْدِيدِ وَلَا تُدْرِكُ الْأَبْصَارُ كُنْهَ ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا ظُّهُورٌ لِخَلْقِهِ ظُهُورَ مُؤَانَسَةٍ، وَإنَّ رُؤْيَتَهُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ تَتَفَاوَتُ بَيْنَ شَخْصٍ وَآخَرَ، وَكَذَلِكَ إِنَّ أَهْلَ الْمَرَاتِبِ النُّورَانِيَّةِ لَا يَتَسَاوَوْنَ بِالرُّؤْيَةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ




