وَالفَرَاغُ فِي اللُّغَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا: القَصْدُ، يُقَالُ سَأَفْرُغُ لِفُلانٍ أَيْ سَأَجْعَلُهُ قَصْدِي، وَالْآخَرُ الْفَرَاغُ مِنْ شُغْلٍ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وَمِثَالُ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّمْسَ فِي السَّمَاءِ وَمَحَلُّ ضِيَائِهَا فِي الْأَرْضِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَنْقُصْ نُورُهَا وَلَنْ يَفْرَغَ ضيَاؤُهَا، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ الْإِفْرَاغُ عِبَارَةً عَنْ تَدْبِيرِ شُؤُونِ الثَّقَلَيْنِ بِالْمَدَدِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالْحِسَابِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾(1)، اعْلَمْ أَيُّهَا الْأَخُ الْمُؤْمِنُ ثَبَّتَكَ اللَّهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَجَعَلَ إِيمَانَكَ حِرْزاً مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَأَتْبَاعِهِ أَهْلِ الضَّلَالِ، إِنَّ الْخِطَابَ كَمَا جَاءَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ هُوَ مِنْ خِطَابَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ خِطَابٌ تَعْجِيزِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِطَاعَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالنُّفُوذ مِنَ الْأَقْطَارِ: الْفِرَارُ، وَالْأَقْطَارُ جَمْعُ قُطْرٍ وَهُوَ النَّاحِيَةُ، وَالْمَعْنَى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ -وَقَدَّمَ الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَرَكَاتِ السَّرِيعَةِ أَقْدَرُ- إِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَفِرُّوا بِالنُّفُوذِ مِنْ نَوَاحِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مُلْكِ اللَّهِ وَالتَّخَلُّصِ مِنْ مُؤَاخَذَتِهِ فَفِرُّوا وَانْفُذُوا.




