مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُخْتَارَاتٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ - مُحْسِنُ الْخَطِيبُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 72 من 102

فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللهُ تَعَالَى مُلْكَاً هَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ فِيمَا أَمَرَ اللهُ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ، وَإِذَا فَوَّضَ الْعَبْدُ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ إِلَى مُدَبِّرِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا.

وَإِذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ فِيمَا أَمَرَهُ اللهُ وَنَهَاهُ لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُ إِلَى الْمِرَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ، فَإِذَا أَكْرَمَ اللهُ الْعَبْدَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَهَانَ اللهُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا، وَلَا يَطْلُبُ الدُّنْيَا تَكَاثُراً وَتَفَاخُراً، وَلَا يَطْلُبُ مَا عِنْدَ النَّاسِ عِزّاً وَعُلُوّاً، وَلَا يَدَعُ أَيَّامَهُ تَذْهَبُ بَاطِلاً، فَهَذَا أَوَّلُ دَرَجَاتِ التَّقْوَى، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(1).

الفصل الواحد والابعون: لَا تَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ

قَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ: لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَيُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأمَلِ، يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَيَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبينَ إِنْ أُعْطِيَ مِنْهَا لَمْ يَشْبَعْ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهَا لَمْ يَقْنَعْ، يَعْجِزُ عَنْ شُكْرِ مَا أُوتِيَ وَيَبْتَغِي الزِّيَادَةَ فِيمَا بَقِيَ، يَنْهَى وَلَا يَنْتَهِي، وَيَأْمُرُ بِمَا لَا يَأْتِي، يُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَا يَعْمَلُ عَمَلَهُمْ، وَيُبْغِضُ الْمُذْنِبِينَ وَهُوَ أَحَدُهُمْ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ، إِنْ سَقِمَ ظَلَّ نَادِماً، وَإِنْ صَحَّ أَمِنَ لَاهِياً، يَخَافُ عَلَى غَيْرِهِ بِأَدْنَى ذَنْبِهِ، وَيَرْجُو لِنَفْسِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ، إِنِ اسْتَغْنَى بَطِرَ وَفُتِنَ، وَإِنِ افْتَقَرَ قَنَطَ وَوَهَنَ، يَصِفُ الْعِبْرَةَ وَلَا يَعْتَبِرُ، وَيُبَالِغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَلَا يَتَّعِظُ، فَهُوَ بِالْقَوْلِ مُدِلٌّ وَمِنَ الْعَمَلِ مُمِلٌّ، يَسْتَعْظِمُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِهِ مَا يَسْتَقِلُّ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَكْثِرُ مِنْ طَاعَتِهِ مَا يَحْقِرُ مِنْ طَاعَةِ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى النَّاسِ طَاعِنٌ وَلِنَفْسِهِ مُدَاهِنٌ، وَيُرْشِدُ غَيْرَهُ وَيُغْوِي نَفْسَهُ، فَهُوَ يُطَاعُ وَيَعْصِي، وَيَسْتَوْفِي وَلَا يُوفِي.

الهوامش

1سورة القصص الاية (83)
الصفحة 72 من 102