مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُخْتَارَاتٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ - مُحْسِنُ الْخَطِيبُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 70 من 102

الفصل الثامن والثلاثون: الْكِبْرُ

قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ :عَزَّ عِزُّهُفَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِي الْكِبْرِ لِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لِخَُاصَةِ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَاَبُرَ وَرَضِيَ لَهُمُ التَّوَاضُعَ، فَأَلْصَقُوا بِالْأَرْضِ خُدُودَهُمْ وَعَفَّرُوا فِي التُّرَابِ وُجُوهَهُمْ وَخَفَضُوا أَجْنِحَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا أَقْوَاماً مُسْتَضْعَفِينَ، وَقَدِ اخْتَبَرَهُمُ اللهُ بِالْمَخْمَصَةِ وَابْتَلَاهُمُ بِالْمَجْهَدَةِ وَامْتَحَنَهُمُ بِالْمَخَاوِفِ وَ وَمَحَّصَهُمْ بِالْمَكَارِهِ، فَلَا تَعْتَبِرُوا الرِّضَى وَالسَّخَطَ بالمَالِ جَهْلاً بِمَوَاقِعِ الْفِتْنَةِ وَالِاخْتِبَارِ فِي مَوَاطِنِ الغِنى.

وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ۝نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ ﴾(1)، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأَوْلِيَائِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَعْيُنِهِمْ، وَلَقَدْ دَخَلَ عِمْرَانُ وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَيْهِمَا مَدَارِعُ الصُّوفِ وَبِأَيْدِيهِمَا الْعِصِيُّ، فَشَرَطَا لَهُ إِنْ أَسْلَمَ بَقَاءَ مُلْكِهِ وَدَوَامَ عِزِّهِ.

وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ كُنُوزَ الْأَرْضِ لَفَعَلَ، وَلَوْ فَعَلَ لَسَقَطَ الْبَلَاءُ وَبَطَلَ الْجَزَاءُ وَاضْمَحَلَّتِ الْأَنْبَاءُ، وَلَمَا وَجَبَ لِلْقَابِلِينَ أُجُورُ الْمُبْتَلِيْنَ، وَلَا اسْتَحَقَّ الْمُؤْمِنُونَ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا لَزِمَتِ الْأَسْمَاءُ مَعَانِيَهَا.

الهوامش

1سورة المؤمنون الاية (55)
الصفحة 70 من 102