وَكُلُّ ذَلِكَ تَقِيَّةٌ وَمَخَافَةٌ مِنْ إِذَاعَةِ الْأَسْرَارِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ أَوْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ أَنَّ مَعْرِفَةُ الْبَوَاطِنِ يَكْتَفِي الْعَارِفُ بِهَا؟
قُلْنَا لَهُ :إِذَا عَرَفْنَا شَخْصَ الزَّكَاةِ بَاطِناً لَمْ نُهْمِلْ قَبُولَ الدَّرَاهِمِ أَوْ إِنْفَاقَهَا فِي مُسْتَحِقِّيهَا.
وَإِذَا عَرَفْنَا أَنَّ بَاطِنَ الطَّعَامِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ غِذَاءُ الْأَرْوَاحِ فَهَلْ يَكْفِينَا أَوْ يُغْنِينَا ذَلِكَ عَنِ الطَّعَامِ الظَّاهِرِ الْمَحْسُوسِ الَّذِي بِهِ إِقَامَةُ الْأَجْسَامِ وَقُوَّتُهَا وَغِذَاءُهَا وَمَعَاهِدُ لِلرَّوْثِ مَعَارِفُ النَّظَرِ وَالشَّمْسِ؟
وَإِذَا عَرَفْنَا أَنَّ النِّكَاحَ الْبَاطِنَ هُوَ مُطَارَحَةُ التَّلَامِيذِ وَأَنَّهُمْ هُمُ الْأَزْوَاجُ وَهُنَّ الْمُؤْمِنَاتُ الْمَمْدُوحَاتُ فِي الْكِتَابِ، فَهَلْ يَكْفِينَا ذَلِكَ عَنِ اتِّخَاذِ الزَّوْجَاتِ وَالنِّكَاحِ الظَّاهِرِ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ النَّسْلُ وَالنَّسَبُ؟
وَإِذَا عَرَفْنَا أَشْخَاصَ الْجَنَابَةِ وَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالنَّجَاسَاتِ، فَهَلْ يَسْقُطُ عَنَّا فَرَائِضُ الْغُسْلِ وَالطَّهَارَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَائِسِ؟
وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ كَثِيرٌ تَرَكْنَاهُ إِيجَازاً، وَلَوْ جَازَ إِسْقَاطُ الظَّاهِرِ أُسْقِطَتْ سَائِرُ التَّكْلِيفَاتِ، كُلِّيٌّ أَوْ جُزْئِيٌّ كَالصَّدَقَاتِ وَالْأَعْيَادِ وَالْقَرَابِينَ وَالرُّسُومِ، أَبَى اللهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذِهِ الْحُدُودَ الْخَمْسَةَ هِيَ أُصُولُ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ مَوْلَاهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنِّي أَقُولُ أَنْ تَتْرُكَ الشَّرِيعَةَ كَالْأَعْزَلِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَدُوِّ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾(1).




