الفصل الثالث والثلاثون: الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَالتَّقِيَّةُ
يَقُولُ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدُ قَدَّسَهُ اللهُ: وَمَا مِنْ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ إِلَّا وَلَهَا شَخْصاً عَقْلِيّاً، إِلَّا إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الصُّورَةُ تَقِيَّةً فَارِغَةً لَا بَاطِنَ لَهَا، وَتِلْكَ الَّتِي لَا تَصِحُّ إِقَامَتُهَا فِي الْخَلَوَاتِ بَلْ مَعَ أَهْلِهَا فَقَطْ.
وَكَذَلِكَ مَا أَظْهَرَهُ الْمَوْلَى مِنْ ضَرْبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُخْتَبَرِ، وَقَدْ عَلِمْنَا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَكِنْ لَا يَسُوِّغُ لَنَا إِلَّا إِثْبَاتَهُ فِي حَضْرَةِ الضِّدِّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَبَأٍ وَإخْوَتُهُ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُمْ فَهُمُ الْمَحْمُودِينَ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ الْمَذْمُومِينَ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يَجُوزُ أنْ نَحْمَدَهُمْ ظَاهِراً وَلَا ذَمُّهُمْ بَاطِناً.
وَكَثِيراً مِنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى التَّقِيَّةِ الظَّاهِرَةِ الْفَارِغَةِ لَا إِلَى الْحُدُودِ الْمَفْرُوضَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ التَّقِيَّةُ الَّتِي ذُكِرَتْ قَدْ أَظْهَرَهَا سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ مَعَ أَهْلِهَا، فَذَلِكَ مَكْراً بِهِمْ عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً ﴾(1) وَقَوْلُهُ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(2) فَكَانَ مِنْ مَكْرِهِمْ قَوْلُهُمْ لَهُ حِينَ دَعَاهُمْ مَا أَنْتَ رَبُّنَا، وَكَانَ مَكْرُهُ تَعَالَى أَنَّهُ ظَهَرَ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأَزْوَاجِ وَالْأَوْلَادِ، وَإِظْهَارُ الْعَجْزِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ إِثْبَاتَهُ مَعَ مَنْ يَعْتَقِدُونَهُ مَكْراً بِهِمْ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ مَا فِي الْأَمْرِ غَيْرُ مَا يُظْهِرُوهُ لَهُمْ وَهُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.




