الفضل الثاني والثلاثون: فَضْلُ الْعَيَانِ عَلَى الْجَوَارِح
يَقُولُ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ لِلسَّائِلِ فِي كِتَابِ الْأُسُوسِ: إِذَا كَانَ الْخَالِقُ لَيْسَ هُوَ طَعْماً أَوْ لَوْناً وَلَا صَوْتاً وَلَا رَائِحَةً، وَلَكِنَّهُ جِسْمٌ خَامِسٌ آخَرُ مُنْفَرِدٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ يُدْرَكُ بِالْعَيَانِ، وَمَا يُدْرَكُ بِالْعَيَانِ فَلَيْسَ هُوَ لَوْنٌ وَلَا طَعْمٌ وَلَا رَائِحَةٌ، وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالْعَيَانِ، وَالْعَيَانُ قَدْ يُدْرِكُ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِيَانَ قَدْ يَرَى الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالنُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَفَوْقَ وَتَحْتَ، وَالسَّمْعُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الصَّوْتَ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْفُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الشَّمَّ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْحِسُّ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الْخُشُونَةَ وَاللِّينَ، وَالْعَيَانُ يُدْرِكُ الْأَجْسَامَ الْمُفْتَرِقَةَ وَالْمُجْتَمِعَةَ، وَقَدْ يَرَى الْجِسْمَ الْمُتَجَاوِزَ الِاسْمَ الَّذِي لَهُ فَوْقٌ وَتَحْتٌ وَيَمِينٌ وَشِمَالٌ، وَقَدْ يَرَى الْأَجْسَامَ الْمُنْفَرِدَةَ الَّتِي لَا طَوِيلَةً وَلَا عَرِيضَةً مِثْلَ الْهَوَاءِ وَمِثْلَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ وَمِثْلَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَا تَحْتَ لَهَا وَلَا فَوْقَ وَلَا يَمِينَ وَلَا شِمَالَ، وَلَا يُوجَدُ لَهَا رَائِحَةٌ وَلَا صَوْتٌ وَلَا طَعْمٌ وَلَا خُشُونَةٌ وَلَا لِينٌ، وَالْبَصَرُ يُدْرِكُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَلَا يُدْرِكُهَا مِنَ الْحَوَاسِّ غَيْرُ الْبَصَرِ، وَفَضْلُ الْعَيَانِ عَلَى الْجَوَارِحِ كَفَضْلُ الرَّبِّ عَلَى الْعَبِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيَانَ يُبْصِرُ مَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ وَلَا تُدْرِكُ الْحَوَاسُّ مَا يُبْصِرُهُ الْعِيَانُ. كَذَلِكَ فَضْلُ الْجِسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ بِجِهَاتٍ وَصُوَرٍ عَلَى الْأَجْسَامِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا جِهَاتٌ وَلَا صُوَرٌ، وَالْجِسْمُ الْمُنْفَرِدُ الْقَدِيمُ الْخَالِقُ لَهُ صُورَةٌ وَهَيْئَةٌ.




