مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مُخْتَارَاتٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ - مُحْسِنُ الْخَطِيبُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 50 من 102

وَجَعَلَ فِي الْإِنْسَانِ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ: طَبِيعِيَّةً وَحَيَوَانِيَّةً وَنَفْسِيَّةً، فَشَارَكَ بِالطَّبِيعِيَّةِ النَّبَاتَ وَسَائِرَ الْكَائِنَاتِ، وَشَارَكَ بِالْحَيَوَانِيَّةِ أَنْوَاعَ الْحَيَوَانِ، وَشَارَكَ بِالنَّفْسَانِيَّةِ الْعَقْلِ وَعَالَمَ الْإِنْسَانِ.

وَلَهُ نَفْسٌ رَابِعَةٌ انْفَرَدَ بِهَا نَوْعُ الْإِنْسَانِ وَهِيَ النَّاطِقَةُ الْعَاقِلَةُ الْمُمَيِّزَةُ الْمُفَكِّرَةُ الْمُدَبِّرَةُ الْمُسْتَمِدَّةُ مِنَ النَّفْسِ الْقُدْسِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ مَا ارْتَسَمَ فِي ذَاتُهَا مِنْ صُوَرِ الْمَعْقُولَاتِ الْمُرْتَسِمَةِ مِنَ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ الْمُسْتَمِدِّ الْعِنَايَةِ الْأَزَلِيَّةِ صُوَرَ الْمَعْقُولَاتِ، وَمَا أمْكَنَ وُجُودُهُ فِي الكَائِنَاتِ فَهُوَ مُفِيضٌ عَلَى النُّفُوسِ قُوَّتَهُ الَّتِي اسْتَفَادَهَا مِنْ وَاهِبِ الْعَقْلِ وَالْجُودِ، وَمُفِيضُ الْخَيْرِ عَلَى كُلِّ الْوُجُودٍ.

فَتَنْقُلُهَا النُّفُوسُ الْفَاضِلَةُ الْخَيِّرَةُ الْمُسْتَمَدَّةُ مِنْهُ عَلَى حَسَبِ اسْتِعْدَادِهَا وَقَبُولِهَا، فَيَرْتَسِمُ مِنْ ذَوَاتِهَا مَا ارْتَسَمَ فِي الْعَقْلِ الْفَعَّالِ مِنْ صُوَرِ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ، فَيَنْطِقُ بِالْكَائِنَاتِ وَيُخْبِرُ بِعَجَائِبِ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَيُشَاهِدُ الْعَالَمَ الْأَعْلَى مُشَاهَدَةَ عِيَانٍ لَا يُقْصِيهَا الزَّمَانُ وَلَا يُغْرِقُهَا الْمَكَانُ، مُتَّصِلٌ بِعَالَمِ الْإِلَهِيَّةِ أَشَدَّ اتِّصَالٍ لَا تَشْغَلُهَا الشَّوَاغِلُ وَلَا تَعُوقُهَا الْعَوَائِقُ، فَتِلْكَ النَّفْسُ مُتَّحِدَةٌ بِمَدَاهَا مُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مَوْلَاهَا، قَدْ نَظَرَ اللهُ لَهَا بِعَيْنِ رِعَايَتِهِ وَمَنَّ عَلَيْهَا بِهِدَايَتِهِ وَأَلْهَمَهَا مَحَبَّتَهُ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللهُ فِي حَقِّهِمْ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾(1) وَإِنْ مَالَتْ مَعَ الْهَوَى وَغَلَبَتْ عَلَيْهَا شَهَوَاتُ الدُّنْيَا وَاسْتَقَرَّتْ فِيهَا الطَّبِيعَةُ احْتَوَى عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ وَنَسِيَتْ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ، فَأَكْسَبَهَا اللهُ الذُّلَّ وَالْهَوَانَ وَالْبَوَارَ وَالْخُسْرَانَ، فَحَصَلَ فِيهَا الْجُحُودُ وَالْإِنْكَارُ وَالْمُعَانَدَةُ وَالِاسْتِكْبَارُ وَكَذَّبَتِ الْحَقَائِقَ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَحِينِئِذٍ لَا يَنْفَعُهَا الْإعْذَارُ وَالْإِنْذَارُ إِذْ مَصِيرُهَا إِلَى النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ.

الهوامش

1سورة ال عمران الاية (170)
الصفحة 50 من 102